ليلة التسمّم… ومَن كان الهدف

لمحة نيوز

وبرضه لازم نحقق في دور أختك.
صرخت
نورا ضحية!
ثبتت عينيها في عيني
ممكن لكن الجار شاف ست شبهها داخلة البيت ومعاها مبرد صغير. ولقينا زجاجة فاضية في القمامة.
النفس خانني.
مستحيل نورا عمرها ما
رفعت بارك إيدها توقفني
مش اتهام. بس خيوط.
جريت ممرضة فجأة
دكتور هيل! معدل قلب الطفل بينخفض!
اندفعت خطوة لكن ماركوس وقف قدامي تانيصوته أهدى حاسم
لو دخلتي دلوقتي هتبوظي كل حاجة. خليهم يشتغلوا.
من مكاني شفت صدر ليو الصغير يكاد يختفي. جهاز التنفس يرن. طبيب يطلب جرعة.
وفي الزاوية عيون إيفان اتحركت. نصف مفتوحة. تايهة. وبعدين قفلت.
سألت بارك فجأة صوتي غريب حتى علي
إيفان كان عنده تأمين حياة
المعدة وقعت.
من أسبوعين بس كان لطيف زيادة عن اللزوم.
ورد. عشا. كلام عن مستقبلنا.
وأمس طلب مني أوقع على أوراق قال إنها شغل. مطبوعة في البيت. ما قريتش. وثقت.
همست
أيوه.
أومأت بارك ببطء.
لازم نشوف الأوراق دي. لأن لو التوقيع اللي إحنا متوقعينه ابنك كان ممكن يكون هدف.
ركبتي هزوا بس وقفت.
لا لا.
قالت بهدوء
مش بقول إنك قصدك كده. ممكن حد استغل ثقتك.
قادني ماركوس لكرسي. إيدي كانت بترتعش لدرجة إني سكبت المية.
قالت بارك
حاولي تفتكري أي مستند أي حاجة وقعتي عليها من غير قراءة.
قلت
قال ضرائب
benefits.
معك صورة
فتحت هاتفي.
الصورة ظهرت.
إيفان مبتسم.
والسطر الأخير
اسم ليو تحت خانة المستفيد الاحتياطي.
وش ماركوس شحب.
يا رب.
صرخت من جوه قلبي
ده ابني!
قال ماركوس بسرعة
لسه عايش. ركزي.
بارك في اللاسلكي
نحتاج إذن تفتيش كامل للبيت. نصادر الأجهزة الكاميرات كل حاجة.
محقق تاني شغل فيديو.
نورا في المطبخ. بتفتح المبرد. بتسكب حاجة إيديها بترتعش.
إيفان وراها. هادي. مش متفاجئ. بإشارة أمر اعمليها.
ابتسم.
وبص مباشرة للكاميرا.
غطيت بقي. صرخة بلا صوت.
كل لمسة حنان كل سيطرة صغيرة اتجمعت في ثانية واحدة مرعبة.
قالت بارك
بنتعامل مع ده كمحاولة قتل وتعريض طفل للخطر. أختك شاهد وضحية محتملة. زوجك المشتبه الرئيسي.
الدنيا كانت ضباب.
وليو همست.
رن تليفون ماركوس.
مستقر ضربات قلبه بتتحسن.
انهرت.
مسكت بارك مرفقي
بعد النوبة عندك مكان آمن
هزيت راسي
لا.
أومأت
هنوفر حماية وأمر منع فوري.
من وراء الزجاج ليو حرك راسه كأنه بيدور علي وهو نايم.
حطيت إيدي على الزجاج.
والدموع نزلت.
مرت الساعات التالية كأنها خارج الزمن.
لم أعد أسمع أصوات الأجهزة ولا نداءات الممرضات كل ما كنت أراه هو صدر ليو وهو يرتفع ثم يرتفع مرة أخرى. كل نفس كان إعلانا صغيرا عن الحياة وأنا كنت أتشبث به كمن
يتمسك بحافة الهاوية.
مع أول ضوء صباح خرج الطبيب المسؤول عن العناية المركزة. نظر إلي نظرة مختلفة عن سابقيها. ليست شفقة بل حذر ممزوج بأمل.
قال
السم بدأ يخرج من جسمه. استجاب للعلاج أسرع من المتوقع.
لم أسأله عن احتمالات ولا نسب. اكتفيت بأن وضعت يدي على فمي وبكيت. بكيت بصوت عال لأول مرة منذ دخلوا الطوارئ. بكيت لأن ابني قرر أن يبقى.
نورا استفاقت بعد ساعات.
عيناها كانتا زائغتين كأنها عائدة من مكان مظلم جدا. أول ما رأتني انفجرت دموعها وبدأت تكرر
غصب عني والله غصب عني.
جلست بجانبها أمسك يدها.
قالت بصوت مكسور
قال لي لو ما عملتش كده هيقتل ليو. قال إن كل حاجة محسوبة وإنك وقعتي بنفسك.
في تلك اللحظة لم أعد أراها كمشتبه. رأيت أختا خائفة محاصرة برجل ظنناه يوما عائلتنا.
إيفان لم يستفق.
دخل في غيبوبة عميقة. الأطباء قالوا إن فرصه ضعيفة.
والغريب أنني لم أشعر بالحزن. شعرت بفراغ. كأن شخصا انكشف فجأة وسقطت صورته دفعة واحدة ولم يبق إلا قناع مكسور.
بعد يومين جلست أمام النيابة.
رأيت الفيديوهات.
رأيت الرسائل.
رأيت كيف كان يخطط منذ شهور.
ديون. استثمارات فاشلة. تأمين حياة ضخم.
وابني مجرد بند احتياطي.
حين انتهوا من التحقيق قال لي المحقق بهدوء
لو ما كنتيش طبيبة ولو ما
اتصرفناش بالسرعة دي كانت النتيجة مختلفة.
أومأت.
لكن الحقيقة الأعمق كانت
لو ما كنتش غمضت عيني عن إشارات صغيرة عن سيطرة مقنعة بحب عن ثقة عمياء ربما ما كنا وصلنا إلى هنا.
بعد أسبوع سمحوا لي أخيرا أن أدخل إلى غرفة ليو.
كان نائما لكن لونه عاد.
جلست بجانبه أمسكت يده الصغيرة.
فتح عينيه ببطء.
قال بصوت واهن
ماما بابا كان زعلان
ابتلعت الألم.
قلت بهدوء لم
أعرف من أين جاء
بابا كان تعبان قوي بس ده مش ذنبك.
نظر إلي طويلا ثم قال
أنا حلمت إنك كنت بتدوري علي.
ابتسمت وسط دموعي.
عمري ما بطلت أدور عليك.
خرجت من المستشفى بعد أيام.
لم أعد إلى البيت.
البيت لم يعد بيتا.
كان مجرد مسرح لجريمة لم نكن نعرف أننا جزء منها.
انتقلت مع ليو ونورا إلى شقة صغيرة تحت حماية الشرطة.
بدأت إجراءات الطلاق.
إجراءات إبطال الوثائق.
إجراءات طويلة لكنها كانت خطواتي الأولى نحو استعادة نفسي.
وفي صباح هادئ وأنا أعد الإفطار سمعت ليو يضحك.
ضحكته كانت مختلفة.
أخف لكنها حقيقية.
وقفت للحظة أراقبه.
وفهمت شيئا أخيرا
أن الخطر الحقيقي لم يكن الغاز ولا السم ولا التوقيع.
كان الاعتياد.
كان الصمت.
كان تصديق أن الحب لا يمكن أن يؤذي.
رفعت رأسي إلى الضوء الداخل من النافذة وقلت في سري
لن أوقع مرة أخرى دون
أن أقرأ.
لن أسكت مرة أخرى بدافع السلام.
ولن أعلم ابني أن الحب يعني الخوف.
في تلك اللحظة لم أكن ناجية فقط.
كنت شاهدة.
وأما اختارت الحياة.

تم نسخ الرابط