رجل أعمى يعيش في قصر صامت… وطفلة كسرت وحدته في دقيقة
المحتويات
بعينين تمتلئان تأثرا. تلك الطفلة التي وصفها الآخرون بكثيرة الكلام كانت بالضبط من نجح أخيرا في انتزاع الضحك من أكثر رجل جدي عرفته.
في إحدى الليالي بعد أن غادرت كلارا وعاد البيت إلى سكونه المعتاد بقيت جوانا واقفة قرب الطاولة لحظة إضافية. قالت بصوت خفيض
شكرا لك يا دكتور إدواردو على صبرك معها.
أجاب بهدوء عميق
لا تشكريني كنت سأكون أبا.
سقطت الكلمات ثقيلة في الهواء. جلست جوانا في صمت بينما تابع إدواردو وكأنه يفتح بابا ظل مغلقا سنوات
كانت زوجتي في شهرها الخامس حين وقع الحادث. كنا نعلم أنه صبي. كان له اسم تي. كنت متعبا قدت وأنا مرهق وفقدتهما معا.
لم تقل له لم يكن خطأك. كانت تعرف أن هذه العبارات نادرا ما تشفي. وضعت يدها فقط على كتفه وقالت بهدوء صادق
أحيانا تأخذ منا الحياة شيئا ثم لاحقا تمنحنا شيئا آخر. ليس هو نفسه لكنه ثمين أيضا. كلارا تتعلم أكل الجزر بسببك. هذا شيء.
ضحك إدواردو ضحكة قصيرة مكسورة. لم يكن ذلك تعويضا عن ابنه لكن وجود يد صغيرة تشد قميصه وسماع وعد بسيط سأعود غدا كان يملأ فراغا أقسم يوما أنه سيبقى إلى الأبد.
لم يبق التغيير خفيا. بدأت ريناتا شقيقته التي أدارت الشركة وحياته معا منذ الحادث تلاحظ تفاصيل صغيرة يأكل أكثر يجيب على رسائل أقل ليلا يترك المكالمات دون رد أثناء العشاء. وفي يوم جمعة حضرت إلى القصر دون إعلان.
اتبعت صوت الضحك صعودا ضحك حقيقي لم تتذكر آخر مرة سمعته هكذا. توقفت عند باب غرفة المعيشة وتجمدت.
كان إدواردو حافي القدمين على الأرض يضحك بينما يلعق جرو ذهبي وجهه. وكانت كلارا تصرخ سول! اترك أذن ديدو! وعلى الأريكة جلست جوانا بمئزرها البسيط يداها مبتلتان من غسل الصحون تضحك معهما.
صفقت ريناتا بقوة
ما هذا
توقف
قال إدواردو وهو يقف
ريناتا ماذا تفعلين هنا
جئت لأطمئن عليك والآن أراك مشتتا ومصحوبا أكثر من اللازم.
وانتقلت نظرتها الحادة إلى جوانا.
وأنت
جوانا عاملة النظافة قالت بصوت منخفض.
طبعا وهذه الطفلة
ابنتي. كلارا.
قالت ريناتا ببرود قاس
ممتاز. منذ متى يشمل طاقم العمل اللعب على الأرض وإحضار الأطفال إلى مائدة الطعام وإقناع أخي بشراء كلب
ريناتا كفى! قاطعها إدواردو. هذا بيتي.
بيت ساعدت في إبقائه قائما ردت بحدة. ألا ترى كم هذا خطير رجل غني وحيد وامرأة فقيرة مع ابنتها تملأ فراغه فجأة أليس هذا مناسبا أكثر من اللازم
كانت كلماتها صفعات. احمر وجه جوانا.
لم أطلب شيئا
أنا لا أتحدث إليك قاطعتها ريناتا. أتحدث إليه.
تحول اليوم إلى عاصفة اتهامات تهديدات تقارير محققين محام بوثائق جاهزة للتوقيع أوراق تمنع أي علاقة عاطفية أو مالية مع الموظفين تحت طائلة إعلان عدم أهليته القانونية. شعر إدواردو بأنه محاصر تلعب مخاوفه القديمة ضده فقدان الشركة البيت وما تبقى من استقلاله.
تلك الليلة لم ينزل إلى العشاء. جلست كلارا أمام الطاولة الفارغة تتأرجح بساقيها تسأل مرارا إن كان ديدو غاضبا منها. وفي الليلة الثانية تسللت إلى باب مكتبه وطرقت برفق
ديدو أنا كلارا. ألا تحبني بعد الآن
تحطم شيء داخله. فتح الباب جثا وضمها بقوة.
لم تفعلي شيئا خاطئا يا صغيرتي فقط الكبار يعقدون كل شيء.
إذا ستتعشى معي غدا
تردد ثم قال غدا نعم.
لكن الصراع لم يتوقف. عادت ريناتا بتهديدات أكثر بدعاوى وصحافة وحماية قسرية. وللمرة الأولى منذ سنوات رفع إدواردو صوته
لن أوقع على شيء يمنعني من اختيار من أتعشى معه.
إذا سأذهب إلى المحكمة ردت ببرود. وسأطلب الوصاية.
في الصباح حين وصلت جوانا مع كلارا استقبلهما أوغوستو عند الباب.
أخته كانت هنا أغلق على نفسه المكتب.
لم تحتج جوانا إلى تفاصيل. ضمت كلارا.
اليوم لن نتعشى هنا يا حبيبتي.
لماذا ديدو صديقي!
أحيانا يمر الأصدقاء الكبار بمشاكل كبيرة.
تلك الليلة نامت كلارا وهي تبكي. وفي مطبخها الصغير كتبت جوانا رسالة شكرته لأنه أحب ابنتها كما هي لأنه اشترى كلبا فقط لأنها طلبت لأنه أعاد الضحك إلى قلب ظن أنه مات. وطلبت شيئا واحدا
لا تعد إلى الصمت ولا إلى الوحدة. أنت تستحق أكثر.
وضعت في الظرف رسما لطفلين كبير وصغير يمسكان بأيدي بعضهما. وأسفل الرسم ديدو وكلارا أصدقاء إلى الأبد.
قرأ أوغوستو الرسالة بصوت مرتجف. قبض إدواردو عليها إلى صدره بالكاد يتنفس.
قال مبحوحا
أوغوستو هل تعرف أين تسكن جوانا
نعم سيدي.
خذني الآن.
تحولت الرحلة إلى سباق حقيقي مع الزمن لا تشبهه إلا تلك اللحظات التي يدرك فيها الإنسان أن التأخر هذه المرة ليس خيارا وأن الفرار لن ينقذ شيئا. ازدحام خانق بسبب حادث على الطريق السريع ومطر غزير يهبط بلا هوادة كأنه يضاعف ثقل القرار. رفض إدواردو البقاء في السيارة فتح الباب فجأة ونزل يركض تعثر عند الرصيف وانجرحت ركبته. امتزج الدم بالمطر انسحب على جلده ثم ضاع في الشارع ولم يلتفت. لم يكن الألم مهما. ما كان يهمه هو أن كل خطوة يخطوها الآن تعني شيئا واحدا فقط هذه المرة لن يهرب.
حين وصل أخيرا إلى البوابة الخضراء ذات الرقم 428 كان صدره يعلو ويهبط بعنف. طرق بقوة كأن الطرق نفسه اعتراف متأخر.
جوانا!
لا جواب. طرق مرة أخرى أشد. خرجت جارة عجوز نظرتها مثقلة بحزن واضح.
قالت بهدوء موجع غادرت هذا الصباح. مع الطفلة والحقائب.
توقف العالم.
جثا إدواردو على ركبتيه وأسند
ثم شق السكون صوت صغير حاد كالسهم
ديدو!
رفع رأسه بارتباك.
ماما! إنه هو!
خطوات سريعة وظهرت كلارا خلف البوابة مبللة الشعر عيناها تلمعان بفرح غير مصدق.
قالت بدهشة مشوبة بعتب ماذا تفعل هنا
أجاب بصوت انهار معه ما تبقى من تماسكه جئت لأجلك.
ظهرت جوانا وهي تحمل حقيبة ومظلة مكسورة. توقفت في مكانها وكأن المشهد أكبر من قدرتها على الفهم.
دكتور إدواردو
قال بسرعة قبل أن تستعيد قدرتها على الهرب لا ترحلي. أرجوك.
هزت رأسها لا أستطيع. أختك
قاطعها لتفكر ما تشاء. لقد قررت.
قالت بنبرة مترددة والشركة البيت الثروة
أجاب دون تردد لا قيمة لأي شيء إذا عدت لأتناول الطعام وحدي.
شدت كلارا سترته الصغيرة وسألته بلهفة حقا جئت من أجلي
انحنى قليلا وقال من أجلك ومن أجل أمك ومن أجل سول ومن أجل الحياة التي أدخلتموها بيتي.
تمتمت جوانا وكأنها تحمي نفسها من الأمل لن نكون بديلا.
قال بهدوء صادق أعلم. لا أريد بديلا. أريدكم فقط.
أغمضت عينيها كأنها تتشبث بقرار طالما خافت الاقتراب منه. كان جسده يرتجف لا من البرد وحده بل من ثقل السنوات التي قضاها يحتمي بالصمت. أحست بأنفاسه المتقطعة قرب كتفها وبيده التي تبحث بتردد عن مكان آمن. وحين لامست أصابعه ظهرها أخيرا كان ذلك اعترافا متأخرا بأنه لم يعد يريد النجاة وحده.
قفزت كلارا بينهما وهي تصرخ بفرح عناق جماعي!
ضحكت وفرضت ذراعيها الصغيرتين حولهما ثم رفعت وجهها إلى السماء الممطرة كأن المطر احتفال خاص بها. دارت حولهما تصفق ثم عادت تشد كم إدواردو بحماس ديدو أنت رجعت! قلت لك أنا كنت أعرف!
انحنى ولمس شعرها ذلك الملمس البسيط الذي أعاده دفعة واحدة إلى كل ما فقده
متابعة القراءة