رجل أعمى يعيش في قصر صامت… وطفلة كسرت وحدته في دقيقة
وكل ما عاد إليه. قال بصوت متهدج نعم رجعت ولن أتركك تبكين بسببي مرة أخرى.
التفت إلى جوانا. لم يرها بعينيه لكنه رآها بخوفها الذي تغير وبصمتها الذي لم يعد هروبا بل انتظارا.
قال تعالي نرجع للبيت.
ترددت والحقيبة ما زالت في يدها كأنها تذكير بالقواعد القديمة لا تحلمي أكثر مما يجب لا تخلطي القلب بالعمل. ثم سألت بصوت خافت أي بيت
ابتسم ابتسامة موجعة بالصدق البيت هو المكان الذي لا يأكل فيه أحد وحده.
في طريق العودة لم يتحدثوا كثيرا. كلارا لم تتوقف عن الثرثرة تحكي كيف دافعت عنه وكيف وعدت نفسها أن تطعمه بسكويتا إن عاد. أما جوانا فكانت تنظر إلى المدينة من نافذة السيارة المدينة نفسها التي ظنت أنها ستتركها للأبد. لم تتغير المدينة لكن شيئا في داخلها تغير. كان الخوف حاضرا لكنه لم يعد السائق الوحيد.
حين وصلوا إلى القصر فتح أوغوستو الباب قبل أن يطرقوا. بدا كأن البيت نفسه كان يحبس أنفاسه. تمتم الحمد لله وابتسم لكلارا سيدتي الصغيرة عادت.
ركضت كلارا إلى الداخل لا كضيفة بل كصاحبة حق. تركت آثار خطواتها على الرخام وصاحت سول! أنا رجعت!
خرج الجرو يركض بفرح والتف حول ساقيها ثم اندفع نحو إدواردو. ضحك ولمس رأسه.
قال أوغوستو كان ينتظرك سيدي.
دخلت جوانا ببطء. سألت أخيرا وأختك
قال بهدوء ستعود ومعها أوراق وتهديدات. لكنني سأعود أيضا ومعي قراري.
بعد أسبوع عادت ريناتا ومعها ملف ثقيل ومحامية ورجل
وقفت أمام أخيها وتجمدت لثانية حين رأته منتصبا وجوانا إلى جانبه وكلارا بين ذراعيه.
قال قبل أن تتكلم لن أوقع.
ضربت الملف على الطاولة ستوقع. أنت أعمى والناس لا يرحمون.
ابتسم بثبات لم تعرفه فيه من قبل اذهبي إلى المحكمة إن شئت.
تغيرت نظرتها.
قال بوضوح افعلي. أنا أعمى لا غبي
لم يكن من السهل على ريناتا أن تتقبل الحقيقة حين قيلت لها بهذه الصراحة. طوال حياتها كانت تؤمن أو تقنع نفسها أن قوتها هي السند الذي يبقي أخاها واقفا في عالم لا يرحم الضعفاء. كانت ترى نفسها الدرع والعقل والقرار. لكنها الآن وهي تواجهه في هذه اللحظة الحاسمة أدركت أن ما تراه أمامها ليس رجلا يعتمد على حمايتها بل إنسانا استمد صلابته من مصدر آخر أعمق وأصدق من رغبته الصريحة في ألا يعيش حياة خاوية من المعنى.
قالت وهي تشير بنظرة حادة إلى جوانا نظرة تختلط فيها السلطة بالتحذير
أنت تدركين ما الذي ينتظرك أليس كذلك الصحافة لن ترحمك. سيقولون إنك طامعة وإنك استغليت ضعفه وإنك تسللت إلى حياته من باب الشفقة.
ترددت أنفاس جوانا للحظة. شعرت برجفة خفيفة تسري في أطرافها لكن شيئا داخلها تغير. رفعت رأسها هذه المرة دون تردد ونظرت إلى ريناتا نظرة مباشرة خالية من الانكسار.
ليقولوا ما يشاؤون. أنا لم أطلب منه شيئا ولم آت لأخذ شيء. جئت لأعمل فقط. هو من أعاد إلي إنسانيتي حين كنت مجرد ظل
ضحكت ريناتا ضحكة قصيرة مرة كأنها تحاول أن تحتمي بالسخرية من أثر الكلمات.
عبارات جميلة تلك التي تباع في المسلسلات الرخيصة.
وقبل أن يشتد النقاش تسللت الحقيقة من حيث لم يتوقعها أحد. تقدمت كلارا بخطوات صغيرة ووضعت إصبعها بثقة طفولية على كتف ريناتا ثم قالت بجدية خالية من أي حسابات
تيتا ريناتا ديدو ما كان يضحك قبل. أنا خليته يضحك وماما خلته يأكل وسول خلاه يلعب. ليش بدك ترجعيه وحيد
ساد الصمت. لم يكن صمتا عابرا بل صمتا ثقيلا كأن الجدران نفسها توقفت عن التنفس. كلمتان بسيطتان من طفلة شقتا دروع المنطق وأسقطتا الملفات والأوراق والتهديدات التي جلبت للحسم.
نظرت ريناتا إليهم واحدا تلو الآخر. لم تعد ترى مجرد موظفة تقف في مكان لا يليق بها بل أما ترتجف من الخوف وتثبت بالصدق. رأت طفلة صغيرة تحمل قلبا أوسع من القصر بأكمله. ورأت أخاها أخيرا كما لم تره من قبل رجلا لم يختر الأمان البارد بل اختار الحياة.
انخفض كتفاها قليلا كأن ثقل سنوات طويلة انزاح عنهما. التقطت الأوراق وأعادتها إلى حقيبتها ببطء حركة تشبه الاعتراف الصامت بالهزيمة لا أمامهم بل أمام نفسها.
قالت بصوت مكسور
أنت أحمق لكنك أخي.
ثم أشارت إلى جوانا بإصبع لم يعد يحمل تهديدا بل قلقا خفيا
إذا آذته
قاطعتها جوانا بثبات
لن أفعل.
هزت ريناتا رأسها مرة واحدة ثم استدارت وغادرت. وعندما أغلق الباب خلفها لم يغلق على فراغ
اقتربت كلارا من إدواردو وربتت على خده قائلة بفخر طفولي
شفت قلت لك أنا بشوف لك.
ضحك إدواردو ضحكة كاملة هذه المرة ضحكة لم يخفها ثم قال
نعم وأنت ترين أفضل مما كنت أرى حتى وأنا مبصر.
منذ تلك اللحظة لم يعد القصر متحفا باردا. صار بيتا.
لم يعد أوغوستو يزيل آثار أقدام سول فورا ولم يعد يجمع الألعاب قبل أن ينتهي النهار. صار يضع طبقا إضافيا على المائدة دون أن يطلب منه كأنه يعلن بصمت أن هذه العادة أصبحت قانونا جديدا.
كل ليلة عند السابعة تماما كانت المائدة تنتظر ثلاثة
إدواردو في الرأس كلارا عن يمينه وجوانا عن يساره.
صار يؤجل مكالمات ويترك اجتماعات ويفهم أخيرا أن العالم لن ينهار لأن عقدا تأخر لكنه كان سينهار داخله لو عاد إلى وحدته القديمة.
وفي أحد أيام السبت جمعهم في غرفة المعيشة. أخرج علبة صغيرة وجثا أمام جوانا وقدماه ترتجفان أكثر مما ارتجفتا يوم الحادث.
قال بابتسامة نصفها رجاء
جئت لتنظيف الأرض فانتهى بك الأمر تنظفين روحي. هل تتزوجينني
لم تجد جوانا الكلمات فورا. بكت ثم ابتسمت وقالت
نعم.
مرت السنوات.
وفي عصر هادئ جلس إدواردو في الشرفة يحمل طفلا نائما على صدره. كانت كلارا تقرأ وجوانا بجواره وسول عند قدميه.
سألته كلارا
ديدو هل أنت سعيد
أغمض عينيه وابتسم.
نعم يا صغيرتي أنا سعيد جدا.
وفهم أخيرا أن النور لا يأتي دائما كمعجزة مدوية
بل