عثرتُ على شاهد قبر يحمل صورتي في الغابة… وما اكتشفته عن طفولتي قلب حياتي بالكامل
عثرت على شاهد قبر يحمل صورتي في الغابة وما اكتشفته عن طفولتي قلب حياتي بالكامل
لم نكن قد أمضينا في ولاية ماين سوى أسابيع قليلة حين بدأت الحكاية أسابيع بدت في ظاهرها عادية لكنها كانت كافية لتوقظ شيئا نائما في داخلي منذ عقود.
بعد ستة عشر عاما من العيش في تكساس بدا لي الهواء البارد هنا وكأنه اعتذار متأخر من العالم. كنت أتنفسه بعمق أستقبل وخزته في صدري كمن يستعيد إحساسا افتقده طويلا. أما زوجتي ليلي وابننا رايان فكانا لا يزالان يتعلمان كيف يتصالحان مع البرد وكيف يصادقان هذا الصمت الذي يحيط بالكوخ كأنه حارس أمين لا يسأل عن الأسماء.
في صباحنا الأول وقفت ليلي حافية القدمين عند الباب الخلفي ترتدي قميص فلانيل واسعا لا يخصها وتنظر إلى الغابة الممتدة أمامنا. همست بصوت دافئ
هذا المكان تفوح منه رائحة عيد الميلاد.
ابتسمت لا للكلمات فقط بل للسلام الذي ارتسم على وجهها سلام لم أره منذ زمن.
في ذلك السبت اقترحت ليلي أن نخرج في نزهة قصيرة خلف الكوخ للبحث عن الفطر.
كان رايان يركض أمامنا ممسكا بدلو بلاستيكي يلوح به بين السراخس كأنه سيف في معركة خيالية بينما كان كلبنا الدوبرمان براندي ينبح على كل حركة على كل ظل كأنه يحاول حماية عالمنا الصغير من أي اختراق.
كان يوما من تلك الأيام التي تشعر وأنت تعيشها بأنها ستظل في ذاكرتك طويلا.
إلى أن انقلب كل شيء.
فجأة تغير نباح براندي. لم يعد حادا متقطعا بل انخفض وتحول إلى زئير مكتوم تحذيري غريزي.
رفعت رأسي وفي اللحظة نفسها أدركت الغياب.
رايان لم يعد أمامي.
ناديت بصوت مرتفع
رايان! يا بني أجبني! هذا ليس لعبا.
لكن الرد لم يأت.
اشتد نباح براندي من جهة أمامنا يتردد صداه بين جذوع الأشجار الكثيفة. تمتمت وأنا أندفع
احمه يا براندي أنا قادم.
دفعت الأغصان بيدي متجنبا الجذور المكشوفة. ضاق المسار فجأة والتف بين أشجار الصنوبر العالية التي حجبت معظم ضوء العصر. غاص حذائي
سمعت صوت ليلي خلفي تصرخ
ترافيس! أسرع!
ثم تبعتها بخطوات متعثرة
أنا قادمة قادمة يا حبيبي.
صرخت باسم ابني مرة أخرى وبدأ القلق يتسلل إلى صدري كحيوان بري يبحث عن مأوى.
ثم سمعته
لم يكن صراخا بل ضحكة.
ضحكة رايان الواضحة الصافية وكأن شيئا لم يحدث.
عاد نباح براندي إلى طبيعته مرحا غير عدواني.
أسرعت حتى خرجت إلى فسحة لم أرها من قبل. توقفت فجأة كأن قدمي تجمدتا في الأرض.
لحقت بي ليلي وما إن وقفت إلى جانبي حتى انعقد حاجباها.
قالت بصوت منخفض حذر
ما هذا المكان يا ترافيس هذه شواهد قبور أليس كذلك
كانت محقة.
تناثرت في الفسحة شواهد حجرية قديمة غير منتظمة كأنها وضعت على عجل ثم نسيت. لم يكن المكان مرعبا لكنه لم يكن طبيعيا أيضا مسالم على نحو يبعث القلق.
أضافت ليلي وهي تشير
وهذه زهور باقات جافة كثيرة.
كانت سيقانها مربوطة بشرائط باهتة شاهدة على زيارات لم تعد تحدث.
قلت محاولا تفسير ما لا تفسير له
لا بد
لكن قبل أن ترد جاءنا صوت رايان مفعما بالحماسة
أبي! أمي! تعالوا! وجدت شيئا!
كان قرفصاء أمام شاهد قبر صغير بين شجرتي دردار يضغط بإصبعه على سطح الحجر كأنه يتتبع أثرا.
اقتربت بحذر وقلت
ماذا وجدت يا بني
أجاب دون أن يلتفت
صورتك يا أبي صورتك وأنت طفل! أليست هذه مثل الصورة التي عندنا فوق المدفأة
حين نظرت إلى أسفل انحبس نفسي.
كانت هناك صورة خزفية مثبتة في الحجر مهترئة عند الزاوية لكنها واضحة حد القسوة.
كنت أنا.
طفل في الرابعة تقريبا بشعر داكن أطول قليلا من شعر رايان وعينين واسعتين مترددتين. كنت أرتدي قميصا أصفر أعرفه أعرفه جيدا.
أسفل الصورة نقش تاريخ واحد
29 يناير 1984.
تاريخ ميلادي.
أمسكت ليلي بذراعي. لم أدرك متى اقتربت. قالت بصوت ثابت يخفي خوفا حقيقيا
ترافيس هذا غير طبيعي. أريد أن نعود إلى البيت. الآن.
لكنني لم أستطع.
جثوت ولمست إطار الصورة. كان الحجر باردا وبرودة أخرى تسللت إلى داخلي ليست خوفا فقط بل شعورا غريبا
كأنني
بل تذكرت شيئا حاولت نسيانه طوال حياتي.
في