عثرتُ على شاهد قبر يحمل صورتي في الغابة… وما اكتشفته عن طفولتي قلب حياتي بالكامل
تلك الليلة بعد أن غرق رايان في نوم متقطع جلست وحدي إلى طاولة المطبخ الخشبية. كان الكوخ ساكنا على نحو يثير الريبة وكأن الغابة بأكملها تميل بأذنها لتصغي إلى ما يدور في رأسي. أخرجت هاتفي وحدقت طويلا في الصورة التي التقطتها لشاهد القبر.
لم تكن صورة غريبة بل كانت مألوفة أكثر مما ينبغي مألوفة حد الألم.
تمتمت بصوت خافت
هذه صورتي بلا شك. لكن كيف وصلت إلى هنا ولماذا
جلست ليلي مقابلي تشبك أصابعها ببطء وعيناها تراقبان وجهي كما لو كانت تخشى أن يتشقق أمامها. سألتني بهدوء
هل سبق أن حدثتك أمك بالتبني عن ماين
هززت رأسي نافيا.
سألتها مرة وأنا صغير. قالت إنها لا تعرف الكثير. كل ما تعرفه أنها تسلمتني من رجل إطفاء يدعى إد بعد حريق قالوا إنني وجدت خارج منزل محترق وكان هذا كل شيء.
سألت ليلي
هل قالت لك شيئا آخر
أجبت
ورقة كانت مثبتة في
الرجاء الاعتناء بهذا الصبي. اسمه ترافيس. لا أكثر.
ضغطت ليلي على يدي وقالت بصوت يشبه الرجاء
ربما هناك من يتذكر. هذه البلدة صغيرة والذكريات فيها لا تموت بسهولة.
في صباح اليوم التالي قصدت المكتبة المحلية. كانت الموظفة امرأة خمسينية تتحدث بحذر كمن يختار كلماته بعناية. حين سألتها عن الأرض خلف كوخنا صمتت لحظة ثم قالت
كانت هناك عائلة تعيش خارج الشبكة منذ زمن. احترق منزلهم بسبب شرارة من المدفأة. الناس لا يحبون الحديث عن تلك الليلة.
ثم أضافت
اذهب إلى كلارا م. ستجدها في سوق التفاح. عاشت هنا طوال حياتها.
كان منزل كلارا صغيرا منكمشا تحت ظلال الصنوبر كأنه يحتمي من مرور الزمن. طرقت الباب فتح ببطء.
حين رفعت المرأة عينيها نحوي رأيت التغير يحدث في صمت. لم تصرخ لم تتراجع لكنها تجمدت.
قالت بصوت مكسور
أنت أنت ترافيس.
لم أسأل كيف عرفت. أومأت فقط.
فتحت الباب على مصراعيه وقالت
ادخل.
في الداخل كانت الرائحة مزيجا من خشب قديم وتفاح مجفف وذكريات لم تجد من يشاركها. ناولتها هاتفي رفعت الصورة وحدقت فيها طويلا حتى خيل إلي أن الزمن توقف احتراما لتلك اللحظة.
قالت ببطء
هذه الصورة التقطها والدك الحقيقي. اسمه شون. كانت في اليوم التالي لعيد ميلادك.
رفعت رأسي فجأة
والدي
تابعت وكأنها تحكي حكاية تعرف نهايتها مسبقا
كان لك توأم اسمه كاليب.
لم تكن الكلمات ثقيلة بل كانت زلزالا. شعرت بالأرض تميل وبحياتي كلها تعاد كتابتها في ثانية واحدة.
قالت
كنتما متطابقين. لا يفرق بينكما إلا من عرفكما جيدا. تمسكان بأيدي بعضكما دائما كأنكما تخافان الضياع.
ثم حكت عن تلك الليلة.
عن الشتاء القاسي.
عن النار التي بدأت صغيرة ثم التهمت كل شيء.
عن ثلاثة أجساد وجدت بين الرماد.
وعن طفل رابع لم يعثر له على أثر.
قالت
البلدة اعتقدت أن الأمر انتهى. لكن عمكما توم لم يصدق أن الموت أخذ الجميع. وضع شواهد قبور لا لأن الموت تأكد بل لأن الأمل كان أشد إيلاما.
في اليوم التالي ذهبت إليه.
حين فتح الباب لم يتكلم. نظر إلي طويلا ثم قال
أنت تشبه أباك كثيرا.
قضينا ساعات نفتح صناديق محترقة.
رسومات أطفال.
بطاقات عيد ميلاد.
وقميص أصفر محترق عند الكم.
حملته بيدي. كان صغيرا لكنه أثقل مما توقعت.
بعد أسبوع عدنا إلى الفسحة.
ركعت عند الشاهد. اقترب رايان وسأل ببراءة
أبي هل هذا قبر عمي
قلت
نعم. اسمه كاليب.
قال هامسا
أتمنى لو التقيت به.
وضعت يدي على كتفه
وأنا أيضا يا بني.
مرت نسمة خفيفة تحركت الأغصان وكأن المكان تنفس معنا.
وتساءلت
هل كانت تلك الورقة فعل نجاة
أم فعل وداع
ربما لن أعرف أبدا.
لكنني أعرف شيئا واحدا
أنني
وأن الاسم الذي كتب لينجو
لم ينج وحده.