أطعِمني… وسأساعدك على المشي من جديد

لمحة نيوز

أطعمني وسأساعدك على المشي من جديد.
هكذا قالت طفلة حافية في الخامسة من عمرها تطلب بقايا طعام أمام مطعم يملكه ملياردير ظل على كرسي متحرك خمس سنوات.
لكن ما جعله يقف مذهولا حقا لم يكن طلبها بل ما قالته بعدها بصوت واثق
إن لم تصدق سأصدق أنا عنك.
قالتها الطفلة بصوت خافت لكنه كان واضحا على نحو أربك أليخاندرو أكثر من أي صرخة. لم يفهم في البداية ما الذي تقصده ولا لماذا شعر أن الكلمات لم توجه إليه وحده بل إلى شيء أعمق شيء كان يختبئ داخله منذ سنوات.
منذ ذلك اليوم عادت كل صباح بلا انقطاع.
كانت تظهر مع أول خيوط الشمس قبل أن تزدحم الشوارع وقبل أن تستيقظ المدينة على ضجيجها المعتاد. كانت تحمل في جيبها الصغير نصف قطعة خبز أو تفاحة ذابلة أو شيئا لا يكاد يسمى طعاما لكنها كانت تقسمه بعناية كمن يقسم أملا لا يمس. تشارك نصفه مع أطفال جائعين مثلها ثم تأتي إليه.
تضع كفيها الصغيرتين على ساقيه الساكنتين وتدعو.
لم تكن تدعو بصوت مرتفع ولا بكلمات معقدة. كانت تهمس فقط وكأنها تخاطب سرا لا يقال أو وعدا لا يكسر.
كان أليخاندرو روميرو يبدو كالرجل الذي يحسده العالم
مبان تحمل اسمه مطاعم تبقي له طاولة جاهزة مهما ضاق الوقت وحسابات مصرفية لا تعرف معنى الخسارة. كان كل شيء في حياته مضبوطا محسوبا مصقولا كل شيء عدا قلبه.
في ذلك المساء البارد من شتاء برشلونة
وهو يراقب

أضواء المدينة تنعكس على زجاج المطعم الفاخر لم يشعر إلا بشيء واحد فراغ عميق ثقيل لا تملؤه الثروات ولا تخفيه الأضواء.
في الرابعة والثلاثين من عمره
أمضى خمس سنوات حبيس كرسي متحرك
وسنوات أطول حبيس نفسه.
لم يسلبه الحادث ساقيه فقط بل سلبه ثقته بالحياة وبالغد وجعله ينظر إلى الأيام كنسخ باهتة لا جديد فيها.
جلست ماريا إلى جواره في هدوء لا يخلو من يقظة كأنها تعرف متى يكون الصمت أبلغ من الكلام.
كانت عاملة النظافة في قصره في التاسعة والعشرين من عمرها لكنها بدت أكبر من عمرها بقليل لا بسبب التعب فقط بل بسبب التجارب التي حفرت خطوطها الخفية في نظرتها.
يداها متشققتان من كثرة العمل من الماء البارد من المنظفات القاسية ومن سنوات لم تسمح لها فيها الحياة بالترف أو التوقف.
أما ظهرها فكان مستقيما على الدوام ليس اعتدادا بل لأنه تعلمت منذ وقت مبكر أن الانحناء لا يجلب الرحمة وأن الحياة لا تنتظر من يتباطأ أو يشتكي طويلا.
لم تعامله كملياردير
لم تلق عليه نظرات الإعجاب المصطنع
ولم تغرقه بأسئلة المجاملة الفارغة.
وفي الوقت نفسه لم تعامله كرجل مكسور لم تشفق عليه ولم تلمح إلى عجزه أو إلى الكرسي الذي يقيده.
عاملته كإنسان فقط
كروح تجلس إلى جوار روح أخرى
وهذا ما جعله يشعر للمرة الأولى منذ زمن بأنه لا يحتاج إلى التظاهر بالقوة ولا إلى ارتداء قناع الصمت الثقيل
الذي اعتاده.
كان الصمت بينهما مريحا لا يشبه ذلك الصمت الذي يضغط على الصدر.
صمت يشبه الوقوف على شاطئ البحر حيث لا حاجة للكلام لأن الموج يتكفل بالباقي.
وفجأة
قطع السكون صوت خافت متردد اخترق الهواء البارد كنسمة مرتعشة
سيدي هل لديك طعام متبق
انتفض أليخاندرو قليلا واستدار ببطء.
توقع شخصا بالغا رجلا اعتاد السؤال أو امرأة تتقن لعب دور الضحية.
لكن ما رآه أوقف أفكاره عند أول دهشة.
كانت طفلة صغيرة بالكاد تقف على قدميها.
ترتجف في فستان ممزق لا يقي برد الشتاء
حافية القدمين وقد احمرت أصابعها من شدة الصقيع
شعرها أشعث كأنه لم يعرف مشطا منذ زمن
وجسدها أنحف من أن يحتمل هذا العالم القاسي الذي لا يرحم الضعفاء.
ورغم ذلك
ورغم كل ما كان يجب أن يكسرها
كانت عيناها مختلفتين.
لم تكونا متوسلتين
لم تحملا ذل السؤال
بل كانتا حيتين لامعتين
مملوءتين بشيء يشبه الإيمان
أو ربما عنادا جميلا في وجه الفقر
ذلك العناد الذي يقول ما زلت هنا وما زلت أستحق الحياة.
لم تتردد ماريا لحظة.
لم تنظر إلى أليخاندرو طلبا للإذن
ولم تحسب العواقب.
أخرجت الطعام الذي كانت قد ادخرته لنفسها الطعام القليل الذي كانت تعتمد عليه لتكمل يومها الطويل
ووضعته في يدي الطفلة قائلة بصوت دافئ خال من الشفقة ممتلئ بالصدق
تفضلي يا صغيرتي كلي على مهل.
تلقت الطفلة الطعام وكأنه كنز
ابتسمت ابتسامة أكبر
من وجهها الصغير ابتسامة كشفت عن فرح خالص لا يعرف التمثيل
وقالت ببساطة هزت شيئا عميقا في المكان
شكرا لك.
ثم رفعت نظرها إلى أليخاندرو.
نظرت إليه لا كغريب ولا كغني ولا كمعاق
بل كإنسان آخر يقف أمامها في نفس الصف.
تقدمت خطوة نحوه خطوة بدت أثقل من عمرها الصغير
ونطقت بتلك الكلمات التي لم يكن مستعدا لسماعها
كلمات بسيطة قصيرة لكنها وقعت في قلبه كحجر ألقي في ماء راكد فحرك دوائر لا تنتهي
إن لم تصدق سأصدق أنا عنك.
في تلك اللحظة
لم يتحرك كرسيه
لم تستعد ساقاه الحياة
لكن شيئا داخله نهض
شيء كان يظنه مات منذ زمن.. التالي
كان أليخاندرو روميرو يبدو كالرجل الذي يحسده العالم مبان تحمل اسمه ومطاعم تحتفظ له دائما بطاولة جاهزة وثروة ضخمة جعلته واحدا من أشهر المليارديرات في إسبانيا.
كان اسمه يتردد في الصحف الاقتصادية بوصفه نموذجا لرجل الأعمال العصامي صاحب الاستثمارات الكبرى والقرارات الجريئة. من الخارج بدت حياته مكتملة بلا شقوق نفوذ مال احترام ونجاح لا يتوقف. لكن في تلك الليلة الباردة من شتاء برشلونة وهو يجلس خلف زجاج مطعم فاخر يتأمل أضواء المدينة المنعكسة لم يشعر بكل ذلك. شعر بشيء واحد فقط فراغ ثقيل لا تملؤه الأرقام.
في الرابعة والثلاثين من عمره كان أليخاندرو أسير كرسي متحرك منذ خمس سنوات. حادث سير مفاجئ قلب حياته رأسا على عقب. لم يسرق منه ساقيه
فحسب بل انتزع منه ثقته في جسده وإيمانه بأن الغد قد يحمل شيئا أفضل. صار
تم نسخ الرابط