أطعِمني… وسأساعدك على المشي من جديد
يعيش محاطا بالرفاه لكنه منقطع عن الحياة يتنفس بلا شغف ويبتسم بلا روح.
جلست ماريا إلى جواره. عاملة النظافة في قصره في التاسعة والعشرين من عمرها يداها خشنتان من كثرة العمل وملامحها تحمل قوة امرأة تعلمت النجاة وحدها. لم تتعامل معه كملياردير معاق ولا كحالة مثيرة للشفقة بل كإنسان له وجع صامت. ومعها فقط لم يكن أليخاندرو مضطرا لارتداء قناع الصلابة أو ادعاء السيطرة.
قطع الصمت صوت خافت اخترق الهواء البارد
سيدي هل لديك طعام متبق
استدار أليخاندرو متوقعا رجلا بالغا يطلب المال لكنه فوجئ بطفلة صغيرة في الخامسة من عمرها تقريبا. كانت ترتجف داخل فستان ممزق لا يقي برد الشتاء حافية القدمين شعرها أشعث وجسدها نحيل. غير أن عينيها كانتا مختلفتين لم تكونا عيني تسول بل عيني طفلة ما زالت متمسكة بالحياة.
لم تتردد ماريا. أخرجت الطعام الذي كانت قد احتفظت به ووضعته في يدي الطفلة قائلة بلطف
تفضلي يا صغيرتي كلي بهدوء.
ابتسمت الطفلة ابتسامة أوسع من وجهها الصغير وقالت بصوت خافت لكنه صادق
شكرا لك.
جلست الطفلة على حافة الرصيف وأخذت تأكل ببطء شديد كأن كل لقمة لها قيمة لا تعوض. وحين أنهت نصف الطعام توقفت فجأة ووضعت الباقي في كيس صغير متسخ. نظرت إليها ماريا بدهشة
ما زلت جائعة يمكنك أن تكملي.
هزت الطفلة رأسها قائلة
أنا جائعة فعلا لكن هناك أطفالا آخرين في الساحة جائعون أيضا. نحن نتشارك.
ثم أضافت بصوت خفيض
إذا أكلت وحدي ولم يأكلوا يؤلمني قلبي.
كانت تلك الكلمات كافية لتصيب أليخاندرو في عمق روحه. لم تفعل به عناوين الصحف ولا صفقات الملايين ما فعلته جملة خرجت من فم طفلة لا تملك شيئا سوى قلب يعرف الرحمة.
نظر إليها طويلا ثم لاحظ نظراتها الفضولية تتجه نحو كرسيه المتحرك. سألت ببراءة خالية من أي قسوة
سيدي لماذا لا تمشي
ابتلع أليخاندرو ريقه وقال بصوت متردد
تعرضت لحادث قبل خمس سنوات. ساقاي لا تعملان. الأطباء يقولون إن لا حل.
حدقت فيه الطفلة كأنها لم تفهم منطقه ثم قالت بثقة غريبة على عمرها
لكن الله يستطيع.
وتابعت بحزم طفولي صادق
إن لم تصدق سأصدق أنا عنك.
قبل أن يتمكن من الرد تقدمت نحوه وضعت كفيها الصغيرتين على ساقيه وأغمضت عينيها. همست بدعاء بسيط
يا الله اجعل ساقي هذا الرجل تعملان من جديد. دعه يمشي ويركض ويكون سعيدا. آمين.
لم يحدث برق ولا رعد. لم تقع معجزة صاخبة.
لكن أليخاندرو شعر بشيء لم يشعر به منذ خمس سنوات وخز خافت في ساقيه. إحساس ضعيف لكنه كان كافيا ليجعله يحدق فيهما بدهشة كأنهما عادتا تنتميان إليه.
تراجعت الطفلة خطوة ومدت يدها نحوه مبتسمة
حسنا يا سيدي سأدعو لك كل يوم.
صافحها أليخاندرو وهو ما يزال مذهولا دون أن يدرك أن تلك المصافحة الصغيرة كانت بداية تحول سيغير حياته بالكامل.
في اليوم التالي عادت الطفلة في التوقيت نفسه وبالابتسامة الخجولة ذاتها كأنها موعد ثابت لا يخلف. ثم عادت في اليوم الذي يليه والذي بعده. كان اسمها كلوديا في الخامسة من عمرها. طفلة شوارع تنام أحيانا على مقاعد الساحات وأحيانا تحت مداخل البنايات ويتكفل المشردون بحمايتها بقدر استطاعتهم. لم تطلب مالا قط كانت تطلب طعاما فقط وكل مرة تحصل عليه تحتفظ بجزء منه لأطفال لا يلاحظهم أحد.
من دون أن يشعر بدأ أليخاندرو ينتظرها. ينظر إلى الساعة بقلق خفي ويشعر بشيء يشبه الخيبة إن تأخرت. كانت ماريا تحضر الطعام
في البداية أقنع أليخاندرو نفسه أن ما يشعر به مجرد إيحاء نفسي. لكن الإحساس لم يتوقف. أحيانا وخز خفيف وأحيانا دفء غريب وأحيانا تقلصات مؤلمة تجعله يحدق في ساقيه طويلا كأنهما تستيقظان من سبات عميق.
وفي أحد الأيام لم يعد قادرا على الصمت. قال لماريا بصوت متردد
أظن أنني أشعر بساقي.
نظرت إليه بقلق
ماذا تقصد
لا أستطيع الشرح لسعات صغيرة إحساس غير مريح لكنه إحساس. ولم أشعر بشيء منذ سنوات.
اغرورقت عينا ماريا بالدموع وقالت بيقين هادئ
هذا ليس جنونا يا أليخاندرو هذا أمل.
لم يعلق. كانت كلمة معجزة ما تزال ثقيلة عليه لكن وجه كلوديا وسخاءها الصامت كسرا جدارا ظل مغلقا في داخله طويلا.
في أحد الأيام شاهدت مارتا طليقته المشهد أليخاندرو ماريا وكلوديا وضحكة لم ترها منذ أعوام. التوت الغيرة والخوف في صدرها. كانت لا تزال تحاول السيطرة على كل شيء خصوصا عبر ابنتهما المراهقة كارولينا.
تمتمت بسخرية
تلك الطفلة تريد شيئا وعاملة التنظيف أيضا.
لكن كارولينا ردت بحماس صادق
أبي لم أقابل في حياتي شخصا مثل كلوديا. إنها لا تأكل وحدها أبدا تحتفظ بجزء من طعامها للأطفال الآخرين. إنها مثل ملاك صغير.
للمرة الأولى منذ زمن ضحك الأب وابنته معا. كانت كلوديا تمنحهما ما لا يشتريه المال القرب.
استأجرت مارتا محققا خاصا تتوقع خدعة خفية فلم يجد شيئا. كلوديا كانت كما تبدو تماما طفلة مشردة بلا قصة سرية. وماريا امرأة صادقة بلا مصلحة. هذه الحقيقة لم تطمئن مارتا بل زادت غضبها. كانت تردد
لا أحد
ثم جاء التحول الحقيقي. أثناء اجتماع عمل متوتر شعر أليخاندرو بشيء يتحرك داخل حذائه. حدق مذهولا أصابع قدميه تحركت. رآها بعينيه. اتصل بماريا فورا
ماريا أصابع قدمي تحركت.
بكت ماريا كما لو أنها تحررت من حزن سنوات.
لم يجد الأطباء تفسيرا واضحا. وقف الدكتور لوبيز طبيب الأعصاب أمام الصور الطبية مذهولا
هذا لا يفترض أن يحدث. أعصابك تبدو وكأنها تتجدد.
قال أليخاندرو بهدوء
كل ما أعلمه أن طفلة في الخامسة تدعو لي كل يوم ولا
تتغيب أبدا.
ومع تحسن أليخاندرو بدأت كلوديا تبدو أكثر شحوبا وإرهاقا. انحنت ماريا بجوارها
هل أنت بخير يا صغيرتي
ابتسمت كلوديا ابتسامة متعبة
أنا بخير طالما عمي أليخاندرو يتحسن فالأمر يستحق.
لم تبرح تلك الجملة قلب ماريا.
لم تتوقف مارتا عن المحاولات. نشرت شائعات وقدمت شكوى تزعم أن وجود طفلة شارع قرب رجل معاق خطر. لكن القاضي استمع للجميع ماريا كارولينا الأطباء والموظفين. الجميع قال الشيء نفسه كلوديا لم تطلب شيئا قط.
ثم تكلم أليخاندرو قابضا على ذراعي كرسيه
سيدي القاضي أريد أن أتبناها. أريد أن أكون الأب الذي لم يكن لها يوما والإنسان الذي علمته كيف يعيش من جديد.
تحدث القاضي مع كلوديا على انفراد ثم أعلن الموافقة. انفجر التصفيق.
تزوج أليخاندرو وماريا في حفل بسيط. وبعد أشهر من العلاج بدأ أليخاندرو يمشي دون مساعدة. لم يكن المشي مثاليا لكنه كان حقيقيا.
وفي أحد الأيام قالت كلوديا ببراءة
أبي الآن بعدما تمشي علمني ركوب الدراجة.
ضحك أليخاندرو والدموع في عينيه ووعدها.
وفي هدوء تلك الليلة أدرك أخيرا أن المعجزات لا تأتي دائما بصخب بل أحيانا في
