كنت قد نهضت للتوّ من على رُكبتَيَّ بجانب قبر ابنتي

لمحة نيوز

كنت قد نهضت للتو من على ركبتي بجانب قبر ابنتي حين همست زوجتي برفق
عليك أن تتركها ترحل.
لكن في تلك الليلة نفسها جاء طرق خفيف من نافذة غرفة نومي.
ثم جاء صوت صغير مرتجف يقول
بابا أرجوك افتح الباب.
في تلك اللحظة كل ما كنت أظن أنني أعرفه عن وداع ابنتي وعن أقرب الناس إلي تحطم بالكامل.
لأشهر كنت أسير بين صفوف القبور الباردة أقبض على علبة فضية صغيرة وأحاول أن أعيش مع القصة التي أصر الجميع على أنها الحقيقة حريق حادث مأساوي وبضعة بقايا محترقة قالوا إنها كافية لإغلاق القضية.
زوجتي فانيسا كانت تلح علي أن أرتاح وتضع أكوابا دافئة في يدي كل مساء.
أما أخي كولبي فقد استقر عمليا في مكتبي يحمل رزما من الأوراق يقول إنها فقط لمساعدتي في مواصلة العمل.
وقد سمحت لهم بذلك لأن الحزن يجعل الوجوه المألوفة تبدو وكأنها طوق نجاة.
لكن تلك الليلة عندما غادرت المقبرة فارغا من الداخل ودخلت البيت الذي كان يوما يضج بالحياة سمعت شيئا لا ينتمي إلى مكان يمتلئ بالخسارة ضحكة خافتة خلف باب نصف مغلق توقفت فور دخولي الغرفة.
كانت أعينهما هادئة أكثر مما يجب لشخصين يدعيان أنهما يتألمان مثلي.
هربت إلى مكتبي المكان الوحيد الذي ما زال يحمل رسومات ابنتي وحاولت أن أتنفس رغم الثقل الذي يسحق صدري.
حينها بدأ طرق خفيف يلامس زجاج الأبواب خلفي إيقاع متردد لا يشبه الريح ولا الأغصان ارتفع نبضي وأنا أعبر الغرفة مقتنعا بأن عقلي يخدعني مرة أخرى.
لكن حين أزحت الستارة وجدت شخصا صغيرا يقف هناك عينان متعبتان شعر متشابك خدان مغطيان بالتراب.
وعندما فتحت الباب أخيرا انهارت بين ذراعي كأنها كانت تركض منذ أيام.
لم أستطع الكلام.
لم أستطع سوى الاستماع وهي ترفع وجهها وتهمس
بابا
كلمة واحدة فقط لكنها كانت كافية

لأدرك أن القبر الذي كنت أزوره لم يكن الشيء الوحيد في حياتي المبني على الأكاذيب
ارتطم الكوب بالأرض الخشبية وانفجر إلى شظايا قبل أن أدرك even أنني أسقطته.
كنت قد عدت من المقبرة من التحديق في حجر يحمل اسم ابنتي ودخلت مباشرة إلى مكتبي كما كنت أفعل كل ليلة خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
لم أشغل الأنوار العلوية. كنت أحب الغرفة نصف مظلمة مضاءة فقط بمصباح المكتب النحاسي وشريط القمر المتسلل عبر أبواب الشرفة.
في يدي اليمنى ظللت أمسك بالقلادة الفضية الصغيرة التي تركتها على القبر ثم أخذتها مجددا غير قادر على الانفصال عنها.
أما في اليد الأخرى فمن الواضح أنني كنت أحمل كوبا من الماء.
القلادة بقيت. الكوب لم يبق.
ارتجفت يدي بشدة لدرجة أنني اضطررت للجلوس.
الناس في بيرلنغتون كانوا يقولون إنني أغرق في الحزن وإنني لست نفسي منذ الحريق.
المنزل في أطراف البلدة المنزل الذي كانت ابنتي كلوي تقيم فيه مع صديقاتها في عطلة نهاية الأسبوع اشتعل في منتصف الليل.
وحين وصلت الشاحنات لم يكن قد تبقى سوى عوارض سوداء ودخان.
قالوا لي إنهم وجدوا بقايا. قالوا إنه لا شك في الأمر.
أقيمت جنازة. تابوت مغلق. حجر لامع منقوش عليه اسمها.
الجميع أخبرني أنه يجب أن أقبل ذلك.
فحاولت. شربت الشاي العشبي الذي كانت زوجتي فانيسا تقدمه لي كل مساء.
لأعصابك يا ماركوس كانت تقول برقة ويدها تستقر على كتفي. أنت لا تنام جيدا.
وتناولت الحبوب التي كان أخي كولبي يضغطها في يدي كل صباح.
من الدكتور هاريس قال لي. لتساعد عقلك على أن يستريح.
يوما بعد يوم بدأت أشعر بثقل أشد وبطء أكثر وتشوش غريب.
صرت أنسى مواعيدي. أحدق في الجدران. أفقد الإحساس بالوقت.
الناس قالوا إنه الحزن.
وصدقتهم.
إلى أن جاءت تلك الليلة.
الطفلة
في ضوء القمر
سمعته قبل أن أراه صوت ضعيف كصوت أسنان تصطك من شدة البرد.
رفعت بصري وهناك قرب أبواب الشرفة منكمشة في زاوية يغمرها ضوء القمر كانت تقف هيئة صغيرة ملفوفة في بطانية متسخة.
للحظة فعل عقلي ما تم تدريبه على فعله طوال الأشهر الماضية رفض ما يراه.
لا تمتمت.
كانت الكلمة دعاء وإنكارا في الوقت ذاته.
أنت لست حقيقية قلت بصوت متحشرج. لا يمكنك أن تكوني هنا. أنت
أوقفت نفسي قبل أن تنطق الكلمة التي كنت أرددها طوال الشهور الماضية.
ارتجف الظل عند صوتي. خرج من تحت البطانية صوت خافت أنين ثم كلمة.
بابا
لم يتخط قلبي نبضة بل بدا وكأنه توقف تماما ثم عاد ليضرب صدري بقوة جعلتني أتمسك بحافة المكتب حتى لا أسقط.
وقفت ببطء. ساقاي كانتا كأنهما مصنوعتان من حجر. الغرفة بدأت تميل حولي ولحظة قصيرة ظننت أن الأمر مجرد نوبة أخرى من تلك اللحظات الغريبة التي يفقد فيها العالم حوافه الواضحة لأستيقظ لاحقا غير متذكر ما حدث.
لكن كلما اقتربت ظهرت التفاصيل.
كانت البطانية ملطخة نسيجها مهترئا.
قدمان صغيرتان بارزتان من أسفلها مشققتان مجروحتان.
طين يلطخ الكاحلين النحيلين.
شعر متشابك يلتصق بوجه مخطط بالأوساخ والدموع الجافة.
والعينان تلك العينان رفعتا نظرهما نحوي.
كنت أعرفهما.
رأيتهما يوم حملتها أول مرة وهي ترمقني من بين جفون مشدودة.
رأيتهما تتلألآن حين سجلت هدف الفوز في فريق المدرسة الإعدادية وحين فتحت قبولها في برنامج الفن الذي حلمت به وحين كانت تركض صباح عيد الميلاد على الدرج بجوارب صوفية مضحكة.
كنت لأعرفهما في أي بلد في أي حياة.
كلوي همست.
ارتعشت الفتاة وتراجعت إلى الخلف حتى التصقت بالزجاج كأنني سأؤذيها.
أرجوك همست بصوت مرتجف ضعيف. أرجوك لا تدعهم يسمعونني سيعثرون علي إن عرفوا
أنني جئت.
ما الذي رأته كلوي
توقفت على بعد بضعة أقدام منها خائفا أن تمتد يدي بسرعة فتختفي كالدخان.
من سألت بصوت مبحوح. كلوي ممن تختبئين ماذا حدث
عيناها darted نحو الباب ثم الممر كأنها تتوقع أقداما لا يسمعها سواها.
فانيسا قالت بصوت يكاد لا يسمع. وعمي كولبي.
تجمدت.
زوجتي.
أخي.
الشخصان اللذان أسندانني بينما كان كل شيء آخر ينهار.
هما من رتبا الجنازة من وقفا إلى جانبي أمام الناس من استقبلا المعزين بدموع على الوجوه وأيد معقودة على القلوب.
وهما من قالا لي مرارا وتكرارا إن علي أن أدعها ترحل.
هذا غير منطقي تمتمت وهززت رأسي. لقد كانا هنا كل يوم يعتنيان بي بكل شيء هما من رتبا 
الجنازة. همست كلوي صوتها حاد فجأة كالزجاج المكسور.
لم تكن حقيقية يا أبي. هما خططا لكل شيء. الحريق. القصة. كل شيء.
حدقت فيها.
قالا لي إنك لم تتمكني من الخروج قلت ببطء كلمات تخدش حلقي. قالا إنك لم تنجي. قالا 
أغلقت عينيها بقوة محاولة حبس دموعها.
دفعا مالا لرجال كي يخطفوني بعد المدرسة قالت مسرعة وكأن الكلمات ستشتعل إن لم تقلها بسرعة.
وضعوني في شاحنة. أبقوني في بيت صغير قرب الغابة عند البحيرة القديمة التي يحبها عمي كولبي. سمعتهم يتحدثون. سمعت اسمك. قالوا إنك تعمل بجد شديد وإنك لن تتخلى عن الشركة وإنك ستدمر كل شيء بعنادك قبل أن تترك أحدا غيرك يديرها.
اهتزت كتفاها النحيلتان.
كانوا يتحدثون عني كأنني رقم همست. تفصيلة يجب التخلص منها.
أردت أن أقول لها أن تتوقف. أردت أن أضع يدي على أذني. لكن بدلا من ذلك جلست على ركبتي ببطء حتى أصبحنا على مستوى واحد تقريبا.
وماذا عن الحريق سألت بهدوء. المنزل
أشعلوه لاحقا همست وهي ترتجف. وضعوا شيئا هناك شيئا يحترق بالطريقة الصحيحة ليبدو وكأن
شخصا كان بالداخل.
ابتلعت ريقها. معدتي انقبضت.
هربت لأن الرجال الذين استأجروهم تهاونوا
تم نسخ الرابط