كنت قد نهضت للتوّ من على رُكبتَيَّ بجانب قبر ابنتي
الثانية.
إعداد المسرح
مع عينات الشاي والأقراص التي جمعها فرانك من المنزل أكد فني مختبر موثوق به ما كنا نشك فيه
الخليط من الأعشاب والأدوية الذي تناولته لأسابيع كان كفيلا بأن يجعل أي شخص مرهقا مشوشا وضعيفا جسديا.
كان هذا وحده يكفي لإثارة أسئلة جدية.
وبينما كنا نجمع الأدلة تتبع رجال فرانك أولئك الذين استأجروا قبل أشهر ل التعامل مع الوضع في طرف البلدة. وبمجرد أن فهموا أنهم قد يواجهون سجنا طويلا بدأوا يتكلمون. رواياتهم المسجلة كشفت الأموال التعليمات والطلب على إشعال الحريق ل التخلص من مشكلة.
جمعنا كل شيء
وثائق. تسجيلات. فيديوهات من كاميرات قديمة كنت قد نسيت وجودها.
في أحد التسجيلات كان صوت فانيسا واضحا وهي تصطدم كأسها بكأس كولبي وتقول
انتهى الجزء الأول. الآن فقط علينا أن نترك ماركوس ينهار.
أما القطعة الأخيرة فكانت قانونية.
محاميي ريتشارد دافنبورت رجل عمل مع أسرتي لسنوات طويلة وكان قد لاحظ أشياء أقلقته. عندما جاء إلى الشقة الآمنة ورأى كلوي واقفة على قيد الحياة شحب لونه.
وبعد أن قرأ التقارير واستمع للتسجيلات تحول تعبيره إلى شيء حاد وثابت.
قال بدهشة
لقد جدولا بالفعل جلسة قراءة وصيتك. أصرا على ذلك. قلت لهم إنها مبكرة جدا لكنهما قالا إنهما يريدان احترام رغباتك.
قلت
دعهما.
رفع حاجبه.
فأضفت
استعملها كخشبة المسرح.
وفعلنا.
الرجل الذي ظنوه دفن
امتلأت مكتبة منزل آل إلينغتون الغرفة التي بنيت عليها نصف صفقات والدي بالناس.
من الفتحة الضيقة خلف الرف راقبتهم يدخلون. أعضاء مجلس إدارة. أصدقاء العائلة. موظفون مهمون. في المقدمة جلست فانيسا في فستان أسود باهظ نصف وجهها خلف طرحة. بجانبها
وقف ريتشارد أمام الطاولة الطويلة وقال
شكرا لحضوركم نحن هنا لقراءة وصية السيد ماركوس إلينغتون.
ومع كلمة تحديثات رفعت فانيسا رأسها قليلا. ضاقت عينا كولبي.
قال ريتشارد
هناك رسالة مسجلة بصوت السيد إلينغتون.
ضغط زرا. أضاءت الشاشة.
ظهر وجهي شاحبا مرهقا.
قالت صورتي المسجلة بصوت متعب
فانيسا زوجتي العزيزة. وكولبي أخي.
إذا كنتم تشاهدون هذا فهذا يعني أن حزني أخيرا أنهى ما ساعدتم أنتم في بدئه.
قفزت فانيسا واقفة.
صرخت
ما هذا هذا غير لائق! ماركوس لم يكن في وعيه
لكن الصوت الذي قاطعها لم يكن صوت ريتشارد.
بل صوتي.
دخلت الغرفة.
الطفلة التي حاولوا محوها
هناك شيء غريب في أن تدخل غرفة يظن الجميع أنك لن تدخلها أبدا.
ساد صمت ثقيل. شهق البعض. سقط قلم أحدهم على الطاولة.
فقدت فانيسا لونها بالكامل. لم تصرخ بل أصدرت صوتا صغيرا مختنقا.
أما كولبي فوقف بسرعة ووقع كرسيه خلفه.
قال متلعثما
هذا مستحيل هذا خداع ماركوس مات نحن رأينا
قلت بهدوء
ما رأيتماه كان بالضبط ما خططتما أن يراه الجميع.
اقتربت.
قلت
اعتمدتما على حزني. أردتما أن تحولاه إلى أداة. ظننتما أنه إذا بقيت ضعيفا ومشوشا بما يكفي فلن يشك أحد في أي ورقة تمر أمامي.
قالت فانيسا تستعيد صوتها
هذا دليل على أنك لست مستقرا. كنت ترى كلوي في كل مكان
رفعت يدي.
فتح فرانك أبواب المكتبة.
دخلت كلوي.
لم تعد بغطاء متسخ. شعرها نظيف مضفور. ترتدي فستانا أبيض بسيطا. صغيرة نعم لكن واقفة بثبات
التفتت كل الأعين إليها.
همس أحدهم في آخر القاعة باسمها.
ارتخت ركبتي فانيسا وسقطت إلى مقعدها وجهها خال تماما من الدماء.
أما كولبي فتراجع خطوة ثم أخرى وعيناه مثبتتان على كلوي كأنها شبح جاء ليطالب بدين.
قالت كلوي بصوت ثابت يرن تحت السقف العالي
حاولتما أن تمحواني. حاولتما أن تكتبا قصة أختفي فيها وكأنني لم أكن. لكنني هنا.
تقدمت خطوة أخرى.
وأضافت وهي تنظر إلي
وهو ليس محطما أنتما فقط أسأتما تقدير ما يمكننا النجاة منه.
من خلفها دخل رجلان يرتديان بدلات بسيطة. لم يكونا من طاقمي. كانا محققين من الولاية رجالا يثق بهم ريتشارد وشرح لهم فرانك كل شيء.
على الطاولة صف ريتشارد أكياس الأدلة بترتيب منظم
قوارير أقراص تقارير مطبوعة.
وعلى شاشة اللابتوب توقف الفيديو عند لقطة لفانيسا وكولبي على شرفة منزل البحيرة يرفعان كؤوسهما ويتحدثان عن ترك ماركوس ينهار.
رأى الجميع الحقيقة.
ورأتها فانيسا وكولبي أيضا.
تقدم أحد المحققين وقال
كولبي إلينغتون فانيسا إلينغتون نحتاجكما معنا.
لم تكن الاعتقالات درامية. لا صراخ. لا مشاهد بطولية.
فقط صوت ناعم لصفقات الأصفاد خشخشة قماش فاخر وصمت مدهوش لأشخاص أدركوا فجأة أنهم كانوا يتابعون القصة الخطأ منذ البداية.
وعندما ابتعدا التفتت فانيسا نحوي عيناها مفتوحتان بدهشة ليس شعورا بالذنب بل بعدم تصديق أن السيناريو الذي كتبته لحياتي قد مزق أمام شهود.
لأول مرة منذ أشهر لم أشعر بالضعف.
شعرت أنني حاضر.
مستيقظ.
نهايتنا نحن
جاء الصحفيون. وعقدت المحاكمات.
كلمات مثل مؤامرة احتيال إساءة ثقة ملأت العناوين والوثائق.
حضرت ما استطعت منها لكنني لم أسمح لقاعة المحكمة بأن تصبح محور حياتنا.
كانت الأحكام صارمة.
والعقوبات طويلة.
بعدها بدا المنزل كبيرا جدا.
والمدينة صاخبة جدا.
كنت أنا وكلوي نحتاج لمساحة
غادرنا برلنغتون بعد أشهر.
قدنا السيارة شمالا حتى صارت رائحة الهواء مزيجا من الصنوبر والملح.
استأجرنا كوخا صغيرا على شاطئ هادئ لا يسمع فيه سوى صوت الأمواج.
في إحدى الأمسيات بينما كانت الشمس تهبط نحو الماء وتحوله إلى لون النحاس الذائب مشينا إلى نهاية رصيف خشبي قديم.
كنت أحمل في يدي قلادتين فضيتين.
إحداهما تضم صورة صغيرة لكلوي وهي في الثامنة بلا أسنان أمامية تحمل كأس كرة قدم أكبر منها تقريبا.
والأخرى تحمل صورة لي مع والدي يوم توليت الشركة كنا أصغر وأقل معرفة ونؤمن أن العمل الجاد وحده يحمي العائلة من كل شيء.
نظرت كلوي إلى القلادتين ثم إلي.
سألت
أأنت متأكد
أومأت.
قلت
قضينا شهورا نعيش داخل قصة كتبها الآخرون لنا أظن أن الوقت قد حان لنكتب قصتنا الخاصة.
معا فتحنا أصابعنا وتركنا القلادتين تسقطان.
لمعتا لحظة في الضوء الباهت ثم غاصتا واختفتا.
وقفنا هناك طويلا دون كلام.
لم نعد الشخصين اللذين كنا قبل الحريق قبل الأكاذيب قبل تلك الليلة التي همست فيها فتاة ملفوفة ببطانية
بابا لو سمحت ما تخلهمش يلاقوني.
لا تزال هناك ليال أستيقظ فيها أتنفس بقلق أبحث بيدي عن سحاب كيس ليس موجودا.
ولا تزال هناك أيام تصمت فيها كلوي وتنظر نحو الأفق حتى يتغير لون السماء من حولها.
لكن هناك أيضا ضحك الآن خافت في البداية ثم أعلى.
هناك فطائر نحرقها كل يوم سبت لأنني أنشغل بسرد قصص عن جدها.
هناك مشي على الشاطئ نتحدث فيه عن أشياء غير مهمة تماما.
ليست نهاية مثالية.
ولا حتى نهاية سعيدة كما قد يصفها البعض.
لكنها نهايتنا.
ولأول مرة منذ وقت طويل جدا
أنا
ومهما كان
سنواجهه معا
ليس كأب حزين وذكرى
بل كشخصين عبرا النار
وغادراها متمسكين ببعضهما