فرصه ثانيه حكايات اسما السيد حصري وكاملة
دون إخباره قلبه ثار كالمراجل وقبل ان يتحدث كانت رحيل قد سرقت الهاتف واجرت مكالمه بمنقذها الدائم وما إن فتح الخط سمع صوت بكاءها اردف كالمجنون
رحيل يا عشقي ما بك اين انت اخبريني
بكت بحرقه ولم تستطع قول شييء إلا حذيفه انقذني من هنا
سقط قلبه وهو يستمع لاحداهن تتحدث بصراخ وتختطف منها الهاتف لكن رساله كانت قد ارسلتها من قبل وصلت له
كان كفيله بشن الحرب انهم يجبروني على الزواج من اجل الثار
اخذوا الهاتف وضمت ركبتيها إلى صدرها
ولأول مرة منذ عودتها تبك كانت تنتظر
إما إنقاذا
أو معجزة
أو انفجارا سيغير كل شيء
لم تكن تعلم متى بدأت تشعر بالتعب
في البداية حسبته إرهاق السفر ثم خوف الأيام الأخيرة ثم الجوع وقلة النوم
لكن الألم كان مختلفا أعمق
وضعت يدها على بطنها لا إراديا
هناك في الداخل كان سر صغير لم تخبر به أحدا
حتى حذيفة لم تعلمه بعد
كانت حاملا
لم ترد أن تخبره عبر رسالة باردة
كانت تنتظر لقاء صوتا يدا تطمئنها
لكن الوقت لم يمهلها
في صباح اليوم الذي سبق ما أسموه الفرح
دخلت امرأتان الغرفة دون استئذان
قالت إحداهن بحدة
قومي لازم تلبسي
قالت بهدوء متكسر
أنا مش قادرة
لم يعجبهم الرد
جذبوها من ذراعها
سقطت على الأرض
صرخت لا من الألم فقط بل من الخوف
سيبوني! أنا تعبانة!
بطلي تمثيل
جاء الضرب سريعا فوضويا بلا وعي
ركلات دفع صفعة أسكتت صوتها
حاولت حماية بطنها بجسدها
لكنهم لم يروا شيئا
لم يروا إلا كبش الفداء
حين تركوها أخيرا
كانت الأرض من تحتها مبتلة
والألم لم يعد يحتمل
نزفت بصمت
لا صراخ
لا إسعاف
لا أحد
كانت تحدق في السقف
تشعر بشيء ينفلت منها
شيء لم يمنح فرصة الحياة
وفي لحظة وعي أخيرة
همست لنفسها
سامحني
ثم غابت
حين أفاقت كانت في غرفة باردة
ممرضة تنظر إليها بشفقة لا تعرف السبب
قال الطبيب بلهجة جافة
حصل اجهاض ولو اتأخرنا شوية كانت حياتك في خطر
أدارت وجهها للحائط
لم تبك
فقدت حق البكاء منذ زمن لكن في مكان آخر كان احدهم اعد العده المقاتله من اجلها دمع عينيها لتاتيه رساله اخري من هاتف الممرضه
قرأ الرسالة
ثم الثانية ثم صورة لها وهي على سرير مستشفى
وجه
وعبارة واحدة تحت الصورة
زوجتك كانت حاملا نزفت وخسرت الجنين
لم يتكلم
لكن كل من في الطائره شعر أن الهواء تغير
أغلق الهاتف
قال بهدوء مرعب فاضل قد ايه ونوصل
٣ ساعات سيدي
لم يعد ليعلن زواجالم يعد ليتوسلولم يعد ليشرح
عاد لينتقم لدموع زوجته وخسران طفل منذ لقياها تمناه منها هي سقطت دمعه العجز منه رغم نفوذه وهو يهمسيا عشقي لما لم تخبريني قبل الرحيل ساعاقبك مؤكدا لكن بين ذراعي
لم يخبرها أحد بموعد عودته
لم يدخل عليها فجأة كما في الأفلام
لم يكن هناك صراخ ولا جلبة
كل ما شعرت به
هو ذلك الارتجاف الخفيف في صدرها كأن شيئا تعرفه عاد إلى المكان
كانت في غرفة المستشفى تحدق في اللاشيء حين فتح الباب بعاصفه لم تلتفت في البداية
ثم سمعت صوته
ليس مرتفعا
لكن ثابتا على نحو أخافها
رحيل أنا هنا
التفتت ببطء
وعيناها اصطدمتا بهحذيفة
كان مختلفاليس الرجل الذي ودعته ولا الزوج الهادئ الذي اعتاد أن يخفي مشاعره خلف عقل عملي
هذا رجل
انكسر شيء بداخله ثم أعاد بناء نفسه على هيئة نار
اقترب دون أن يتكلم اخذها بين ذراعيه بجنون
ونظر إلى وجهها إلى الكدمات التي لم تختف بعد إلى عينيها الفارغتين
مد يده ولمس جبينها برفقارتعشت
قال بصوت خافت لو تعلمين كم تمنيت طفلا منك لما فرطت بروحك هكذا يا عشقي
أغمضت عينيهالأول مرة منذ ما حدث وبكت
لم يقل شيئا آخرلم يحتج فقط احتواء صامت كما اعتادت منه
في الخارج كان المشهد مختلفا تماما سيارات سوداء توقفت أمام بيت العائلة
رجال ببدلات رسمية لا يشبهون رجال الصعيد ولا يتحدثون كثيرا
دخل حذيفة البيت وكأنه يعرفه منذ سنوات
لم يطلب الإذنوقف الجميع
حتى الجد
قال العم بارتباك
حضرتك مين
تخلي حذيفه عن لهجته المتحضره وهتف بعشوائية
أجاب بهدوء قاتل حذيفه المنصوري زوج حفيدتك
ضحك أحد أبناء العم باستخفاف
لسه الحكاية دي
نظر إليه حذيفة
نظرة واحدة فقط
سكت الشاب
وضع حذيفة هاتفه على الطاولة ضغط زر التشغيل
ظهر مقطع مصور
عقد زواج موثق
شهود
تواريخ
ثم تسجيل طبي
إجهاض بسبب اعتدا
قال بصوت لا يحمل أي انفعال
أنا ما جتش أطلب تصديقكم
اقترب خطوة
أنا جاي أبلغكم
حاول الجد التماسك
دي عادات ثأر
قاطعه حذيفة ببرود
العادات اللي ت ستات اسمها جريمة
ثم أضاف وهو يخرج ورقة رسمية
والجريمة دي بقت قضية
في اليوم نفسه
انتشرت الأخبار
تفتيش
تحقيقات
أسماء كبيرة دخلت في القضية
الحفيد المدلل
لم يعد مدللا
وفي المساء عاد حذيفة إليها
جلس بجانبها وهتف بحنو
سامحيني اتأخرت
نظرت إليه طويلا
ثم قالت بهدوء موجع
أنا مش زعلانة منك
أنا زعلانة من الدنيا واني بغبائي ضيعت حته مني ياريتني ما رجعت
أمسك يدها بقوة كأنه يقسم
محدش يقدر يلمسك تاني انا هنا
لكن الرواية
لم تنته بعد
لأن الصعيد
لا ينسى
والثأر لا
يموت بسهولة
وما كسر لا يعود كما كان
لم تغادر المستشفى فورا
الجسد كان حيا نعم لكن الروح كانت متأخرة بخطوات
كانت تستيقظ ليلا على ألم لا اسم له تضع يدها على بطنها الفارغ ثم تسحبها بسرعة كأنها تذكرت فجأة أن لا شيء هناك
لم تكن تبكي دائما
أحيانا كانت فقط تحدق
حذيفة لم يتركها
كان يجلس على الكرسي بجوارها راسها على كتفه عالسرير يقرأ تقارير يجيب مكالمات ويعود بنظره إليها بين كل سطر وسطر كأنه يتأكد أنها ما زالت هنا
قال لها الطبيب ذات صباح
جسمك محتاج وقت ونفسك كمان
أومأت دون تعليق
بعد يومين دخل عليها حذيفة ومعه قرار لم يناقشها فيه طويلا
هنمشي من هنا
لم تسأله إلى أين
كانت تعرف أن الصعيد لم يعد مكانا يصلح للشفاء
في الخارج لم يكن الهدوء علامة سلام بل هدوء ما قبل الارتداد
العائلة لم تصمت
التحقيقات اشتغلت نعم لكن العيون ما زالت تراقب والهمسات ما زالت تقال
قال له أحد رجاله
في كلام إنهم مستنيين فرصة
رد حذيفة بهدوء
مش هديهم الفرصة
غادرت البلد دون وداع
لم تنظر من نافذة السيارة هذه المرة
لم يعد هناك شيء يستحق النظرة الأخيرة
في الطائرة جلست صامتة
حذيفة بجانبها يحتويها بحنان صادق كان لها الام والاب دوما ما كان يخبرها انها طفلته المدلله
قال فجأة وكأنه يخاطب نفسه
تعرفي يا رحيل أنا كنت فاكر إن النفوذ يحمي
التفتت إليه
ما حمانيش
سكت
وكان
في البلد الجديدة عادت الغربةلكنها كانت مختلفة
هذه المرة لم تكن وحدها
مرت أسابيع
بدأت تستعيد وزنها نومها بعض ملامحها
لكن شيئا ما بقي مكسورا
ذات مساء وقفت أمام المرآة طويلا
لم تر الفتاة التي سافرت منذ سنوات
رأت امرأة نجت
لكن بثمن
دخل حذيفة الغرفة رآها هكذا فقال بهدوء
مش لازم تبقي قوية دلوقتي
أجابت دون أن تلتفت
بس أنا تعبت من الضعف
اقترب قبلها وقال بصوت خافت
والتعب ده مش عيب بقي وانا معاكي
لأول مرة سمحت لنفسها أن تنهار بين ذراعيه
بكت كما لم تبك من قبل
لا على الجنين فقط
بل على الطفلة التي كانتها
والفتاة التي ظنت أن الهروب يكفي
في تلك الليلة اتخذت قرارها
قالت له وهي تمسح دموعها
أنا مش هفضل ضحية في قصتي
نظر إليها باهتمام
عايزة تعملي إيه
رفعت رأسها وفي عينيها شيء جديد
ليس ضعفا ولا خوفا
أكمل دراستي وأواجه وأخلي اللي حصل ما يتكررش مع غيري
ابتسم حذيفة لأول مرة منذ زمن
ابتسامة فخر حقيقية
وأنا معاك مش علشان أحميك
لكن علشان أمشي جنبك
ذات يوم وقفت على شرفة بيت يطل على البحر
الهواء نقي والسماء مفتوحة
ولا شيء يضغط على صدرها
اقترب منها حذيفة
لم يعد ذلك الرجل الغاضب فقط
بل رجل تعلم الخوفمن اجلها فقط
والحماية
وضع يده على بطنها بابتسامة خفيفة
وقال بنبرة امتزج فيها الرجاء بالفرح
الدكتور أكد كل حاجة تمام
نظرت إليه
ولأول مرة منذ زمن طويل
ابتسمت ابتسامة كاملة
الحياة
قررت أن تمنحها فرصة أخرى
بعد عام
أقيم حفل زفاف صغير
لا صعيد فيه
ولا ثأر
ولا أسرار
فقط هي
وهو
وأصدقاء اختارتهم بنفسها
ارتدت فستانا أبيض بسيطا
لا يشبه فساتين العرائس التي رأتها في بيت العائلة قديما
لكنه يشبهها
قال لها وهو يضع الخاتم في يدها
أنا ما أنقذتكش
إنت اللي أنقذتي نفسك وأنا وصلت متأخر
ردت بهدوء وطمأنينة
المهم إنك وصلت
بعد سنوات
كانت تقف في مدرج الجامعة
تحاضر لطلاب الهندسة
امرأة قوية
ناجحة
لا تخاف من ماضيها
وعلى المقعد الأمامي
جلس طفل صغير
يشبهها
ويشبهه
سألها أحد الطلاب يوما
حضرتك دايما بتتكلمي عن الفرص التانية ليه
ابتسمت وقالت
لأن
اتخلقت علشان تعيش
مش علشان تتحرق بدل غيرها
لم تنس لكنها شفيت
لم تمح الندوب لكنها لم تعد تؤلم
وهكذا انتهت حكاية الفتاة التي أرادوا لها الموت
فاختارت الحياة
النهاية
فرصه ثانيه سلسلة حكايات اسما السيد حصري