الجميع خاف منها… إلا هو الحقيقة المرعبة خلف الفتاة التي أخفت سرّ الأفعى
نافذة وسقط حجر على الأرض تصاعدت ألسنة النار حين لامست إحدى المشاعل الستائر امتلأ البيت بالدخان والصراخ
وضعت آديرا يدها على رأسها كان شيء في داخلها ينهض بعنف لا كحلم هذه المرة بل كقوة واعية شعرت بالحرارة تزحف تحت جلدها بالحراشف تتهيأ للظهور بالصوت القديم يشق طريقه إلى حنجرتها
صرخت
اخرج يا إيمر!
قال وهو يقف أمامها
لن أتركك
قالت بصوت انخفض إلى فحيح
إن فقدت السيطرة لن أميز بينهم
أمسك وجهها بكلتا يديه
إذا ركزي علي
للحظة واحدة سكن العالم النار الصراخ الرعد كلها تراجعت لم يبق سوى عينيه ثابتتين بشريتين بلا خوف ولا عبادة
وفهمت آديرا أخيرا
لم تكن اللعنة في القوة بل في إنكارها ولم يكن الخلاص في القمع بل في القبول
سمحت لما فيها أن يرتفع
انفجر الضوء أخضر عميق كقلب الغابة انطفأت النيران كأنها ابتلعت سقط الرجال خارج البيت على ركبهم والمشاعل تخبو في أيديهم لم يكن في المشهد عنف بل حضور طاغ يشبه حضور ملكة تعرف حدودها
خرجت آديرا إلى الساحة عيناها تلمعان بلون الذهب الداكن
قالت بصوت لم يعد صوت فتاة خائفة
أنا لست عدوتكم ما أحمله عبئي وحدي لكن من يعود ليؤذي بيتي سيتذكر هذه الليلة
فروا تاركين خلفهم رماد الخوف
بعد تلك الليلة لم تعد البلدة كما كانت لم يحبوها لكنهم لم يطاردوها صار اسمها يقال بحذر أحيانا بدعاء
أما القمر فحين اكتمل في ليلة ميلادها السابع عشر كانت الدائرة قد اكتملت
تمددت آديرا وسط الرموز جسدها يرتجف بدأت التراتيل ارتفع الضوء ظهرت الظلال لكنها لم تهاجم كانت تنتظر
أمسك إيمر يدها
أنا هنا
صرخت تقوس جسدها لمع جلدها ثم سكن كل شيء دفعة واحدة
اختفى الوميض عاد الهواء عاديا فتحت عينيها بشريتين
همست
إنها هادئة
ابتسمت الجدة والدموع تلمع
لم تختف لقد قبلت السلام
مرت الأيام وتعلمت آديرا كيف تعيش دون أن تختبئ صارت تضحك دون خوف تمشي دون أن تحصي خطواتها بقي في داخلها شيء من القوة لكنه لم يعد سجنا
وفي مساء هادئ تحت الشجرة العتيقة قالت لإيمر
لماذا لم تهرب
ابتسم وقال
لأنني حين رأيت حقيقتك لم أرد أن أكون من الذين اختاروا الخوف
ضحكت ضحكة خفيفة تشبه النجاة
قالت مازحة
لا تنس ما زال في داخلي شيء خطير
أجابها بهدوء صادق
وأنا قررت منذ البداية أن أعيش بالقرب منه
تحت السماء التي بدأت تتلون بالذهب جلسا معا لم تختف الأسطورة لكنها فقدت أنيابها ولم تنته القصة لكنها تعلمت أخيرا أن تروى دون خوف
مرت طفلة قرب الشجرة تضم إلى صدرها كراسة مدرسية وتنفجر ضاحكة وهي تلاحق صديقتها لم تتوقف لم تلتفت لكنها تركت خلفها أثرا غريبا في قلب آداورا تابعتها بنظرها لحظة أطول مما يلزم كأن زمنا قديما
قالت بصوت يكاد يذوب في الهواء
كنت أظن أن الحياة يجب أن تكون بهذه البساطة بلا أسرار تخزن في الصدر بلا خوف ينام معنا بلا ليال ننهض منها مذعورين
أجاب إيميكا بهدوء لا يحمل شفقة ولا بطولة
أنت أقرب إلى ذلك الآن مما تظنين ليس لأن ما في داخلك انتهى بل لأنك توقفت عن حمله وحدك
مدت يدها إلى العشب اقتلعت عودا رفيعا وراحت تديره بين أصابعها ببطء كما لو كانت تختبر سيطرتها على شيء صغير عادي لا يهدد ولا يجرح ثم رفعت عينيها وسألت
وماذا بعد
ابتسم ولم يكتف بالابتسامة
بعد هذا نعيش
ثم أضاف سريعا كأن الكلمة وحدها لا تكفي
نعيش بصدق دون أقنعة دون أن نرتجف كلما تذكرنا أصوات الناس سنواجه حين يجب أن نواجه ونبتعد حين يكون الابتعاد حكمة لكننا لن نختبئ مرة أخرى
نظرت إليه آداورا مطولا كأن الوعد وصلها هذه المرة بلغة تفهمها بلغة لا تخلف
حين افترقا ذلك المساء لم يكن الطريق أثقل من خطواتها كما اعتاد كانت تمشي وتنتبه لما حولها ضوء المصابيح وهو يتكسر على الإسفلت ظلال الأشجار وهي تتمدد على الجدران خرير ماء ضيق يمر عند الحافة أشياء عاشت بجانبها طويلا دون أن تراها عادت فجأة بألوانها
في الليل وقفت عند نافذتها كان القمر أبيض هادئا بلا تهديد بلا نذر داعب النسيم خدها كما لو كان يسألها
هل ما زلت تخافين
لم تخف
حدقت
توقفت أنفاسها لحظة ثم أرخت كتفيها لم تقاوم لم تصرخ فقط تنفست بعمق كأنها تقول لنفسها لن أسمح للخوف أن يحكمني مرة أخرى
وحينها وصلها صوت داخلي هادئ ليس فحيحا ولا صراخا بل همس يشبه جريان ماء تحت الأرض
لسنا وحدتين متصارعتين نحن توازن واحد لا لعنة بل اكتمال
ابتسمت آداورا وضعت كفها على صدرها وهمست
شكرا لأنك تركتني أعيش
في مكان آخر تحرك إيميكا في نومه ناداها باسمها بصوت منخفض كأن روحه سبقته
آداورا
لم تكن تدري إن كان يسمعها حين ردت في عتمتها
وأنا أيضا لن أتركك
استلقى الليل فوق البيوت
كثوب ثقيل لكنه هذه المرة لم يخنقها وفي الهواء مر فحيح خافت لا كإنذار بل كلحن تهويدة قديم كأن حضورا غير مرئي يحيط بالبيت لا ليقيدها بل ليحرسها
لم تعد القوة تطاردها
صارت تحرسها
ومع أول خيط فجر حين بدأت العصافير تختبر أصواتها فهمت آداورا أن الأسطورة لم تعاد كتابتها فحسب بل تغير معناها
لم تعد حكاية فتاة تهرب من ذاتها
بل قصة فتاة واجهت حقيقتها وصادقت خوفها ثم خرجت إلى العالم مرفوعة الرأس وقلبها لم يعد وحيدا
لم تكن هذه نهاية
كانت بداية فصل جديد
فصل تتعلم فيه كيف تعيش كاملة
لا منقسمة بين بشر ورعب
بل روحا
بل في ترويضه بالمحبة
وبالشجاعة
وبالصدق