عثرتُ على شاهد قبر يحمل صورتي في الغابة وما اكتشفته عن طفولتي قلب حياتي بالكامل

لمحة نيوز

التفاح. عاشت هنا طوال حياتها.
كان منزل كلارا صغيرا منكمشا تحت ظلال أشجار الصنوبر الكثيفة كأنه يحتمي بها من الزمن. الخشب الخارجي باهت والمطر ترك آثاره عليه عبر السنين والنوافذ الضيقة مغطاة بستائر دانتيل قديمة توحي بحياة طويلة مع الذكريات أكثر من البشر.
تقدمت بخطوات مترددة. طرقت الباب فانفتح ببطء كأن اليد التي تديره تخشى ما قد تراه. رفعت كلارا عينيها نحوي وفي تلك اللحظة رأيت التحول. لم يكن ذهولا صاخبا بل صمتا عميقا كأن ملامحي أيقظت صورة دفنتها الذاكرة منذ عقود.
قالت بصوت مكسور
أنت أنت ترافيس.
أومأت دون أن أجد الكلمات. كان رأسي مثقلا بأسئلة أكبر من قدرتي على النطق. تراجعت خطوة وفتحت الباب على مصراعيه ثم قالت
بنبرة لم أدر أهي ترحيب أم اعتراف متأخر
إذا عدت إلى البيت تفضل.
دخلت وكأنني أدخل مكانا لم أزره من قبل لكنه يعرفني أكثر مما أعرف نفسي. كان الهواء مشبعا برائحة الخشب القديم والتفاح المجفف ورائحة خفية تشبه رائحة الكتب العتيقة التي تحفظ الأسرار أكثر مما تحفظ الحبر.
ناولتها هاتفي بصمت. رفعت الصورة واقتربت منها ببطء حتى كادت أن تلامسها بأنفاسها. طال صمتها حتى شعرت أن قلبي هو الذي يفحص لا الصورة. ثم قالت ببطء
هذه الصورة التقطها والدك الحقيقي. اسمه شون. كانت في اليوم التالي لعيد ميلادك أنت وأخوك.
رفعت رأسي فجأة.
أخي
أجابت بهدوء موجع
كان لك توأم. اسمه كاليب.
مالت الأرض تحت قدمي. لم يكن الخبر مجرد معلومة بل زلزالا أعاد
ترتيب كل ما ظننته ثابتا في حياتي.
توأم هل أنت متأكدة
ابتسمت ابتسامة حزينة لا يملكها إلا من عاش الحقيقة.
كنتما متطابقين. لا يفرق بينكما إلا من عرفكما جيدا.
ثم حكت عن تلك الليلة. عن الشتاء القاسي وعن النار التي اشتعلت بصمت ثم التهمت كل شيء. قالت إنهم وجدوا ثلاثة أجساد بين الرماد وظنت البلدة أن القصة انتهت. لكن طفلا واحدا كان مفقودا.
قالت إن رجلا يدعى توم لم يستطع تقبل الفقد الكامل. وضع شواهد تذكارية لا لأن الموت تأكد بل لأن الأمل كان مؤلما أكثر من اليأس.
في اليوم التالي ذهبنا إليه. عندما فتح الباب حدق في وجهي طويلا ثم قال بصوت خافت
أنت تشبه أباك تشبهه كثيرا.
لم أكن أعرف أبي لكنني شعرت فجأة أنني أفتقده.
قضينا
اليوم نفتح صناديق محترقة جزئيا. كل صندوق كان قصة غير مكتملة رسومات أطفال بطاقة عيد ميلاد كتب عليها لأولادنا وقميص أصفر محترق عند الكم كأنه نجا ليشهد. أمسكت به طويلا ثم أخذته معي.
بعد أسبوع عدنا إلى الفسحة. الأشجار كما هي والهدوء كما هو كأن الزمن لم يتحرك منذ تلك الليلة. ركعت عند الشاهد. اقترب رايان وسأل ببراءة
أبي هل نزور عمي
قلت
نعم. اسمه كاليب.
همس
أتمنى لو التقيت به.
وضعت يدي على كتفه وقلت
وأنا أيضا.
مرت نسمة خفيفة بين الأشجار فاهتزت الأغصان كأن المكان تنفس معنا. وتساءلت هل كانت تلك الورقة فعل نجاة أم فعل وداع هل كتبت لتحميني أم لمنح أحدنا فرصة للحياة
ربما لن أعرف أبدا.
لكنني أعرف شيئا واحدا
أنني عدت أخيرا
إلى المكان الذي بدأت منه الحكاية.

تم نسخ الرابط