جنـازه والدي كاملة

لمحة نيوز

فاكر نفسك كسبت
وقبل أن يمسكه أحد اندفع خارج القاعة وترك الباب يرتطم خلفه بقوة هزت الجدران.
بعد الجنازة اجتمعنا في البيت. كان البيت باردا وفراغ أبي يملأ كل زاوية. أمي جلست على الكنبة تعبها كان واضحا بينما المحامي فتح حقيبته ووضع ملفا سميكا على الطاولة.
قال لي
أبوك كان عارف إن اليوم ده هيجي. وكتب كل حاجة بالتفصيل. الشركة البيت الأراضي كلهم باسمك.
هززت رأسي بصمت. الورق لم يكن هو المهم. كنت أفكر في أبي نفسه في خوفه أن يظلم أحد في حرصه على أن ينتهي كل شيء بوضوح.
ثم قدم لي المحامي ظرفا صغيرا
ده ليك إنت بس. مكتوب عليه تسلمه بعد الوفاة.
أمسكت الظرف. يداي ارتجفتا.
فتحته ببطء.
كانت رسالة قصيرة بخط أبي.
ابني
لو كنت تقرأ هذه الرسالة فاعرف أنني تركت لك أهم ما أملك وليس المال.
تركت لك اسمي وتركت لك الأم التي كانت سندي.
لا تسمح لأحد أن يفرق بينك وبينها.
ولا تنس أن لا أحد يختبر عند الوفرة بل عند الخسارة.
والذي ظهر منذ ثلاث سنوات ليس الامتحان الأخير في حياتك.
احذر من أن يعود.
شعرت بقلبي ينكمش.
كأن أبي يكلمني من عالم آخر.
أمي وضعت يدها على كتفي
أبوك كان عارف كان حاسس
لكنها لم تكمل. دموعها نزلت قبل الكلمات.
ومرت أيام.
الدفن انتهى التعازي انتهت لكن الوجع بقي. كنت أحاول التماسك أن أرتب الشؤون القانونية أن أصفي حسابات الشركة أن أتأكد أن كل شيء يجري كما أراد أبي.
لكن
كل ليلة كنت أسمع جملة المحامي في رأسي
التحليل الثاني لم يتطابق.
هل كان أخي غير الشقيق ضحية
هل كان مخدوعا
أم كان يعرف أن الاحتمال الأكبر أنه ليس ابنا لأبي
كانت هذه الأسئلة تضرب رأسي بلا رحمة.
حتى جاء اتصال قلب كل شيء.
في مساء بارد كنت أجلس في مكتب أبي أحاول ترتيب أوراق لا تنتهي حين رن هاتفي برقم مجهول.
ألو
جاء صوت رجل مبحوح متردد
حضرتك ابن الأستاذ فؤاد صح
أيوه. مين معايا
صمت طويل.
ثم قال
أنا كنت شغال مع اللي بتقولوا عليه أخوك.
ولو سمحت لازم نتقابل.
في حاجة مهمة قوي لازم تعرفها قبل ما تحصل مصيبة.
شهقت بدون صوت.
مصيبة تقصد إيه
هو مش ساكت. ومش هيقبل اللي حصل.
و في حاجات لازم أقولها لك عن اللي حصل من 3 سنين.
شعرت بالدم يهرب من جسدي.
فين نتقابل
أعطاني عنوانا في آخر المدينة.
مكان غريب مقهى صغير مهجور تقريبا.
ارتديت معطفي وخرجت.
الشارع كان خاليا والهواء رطبا كأنه ينذر بعاصفة.
دخلت المقهى.
كان نصفه مظلما الضوء الوحيد ينزل من مصباح يتأرجح.
ورأيته رجل نحيف عيناه متعبة يده ترتجف حول كوب شاي.
اقتربت وجلست.
رفع رأسه وقال بصوت خافت
أنت لازم تعرف إن أخوك مش بس كان بيحاول ياخد الميراث.
تجمدت.
انتظرت بقلب يدق كطبول الحرب.
ثم انحنى نحوي وقال
ده كان سبب إن أبوك اتعب أسرع.
اتسعت عيناي
تقصد إيه
ابتلع ريقه ثم قال
كان بيضغط عليه.
كان بيهدده.
كان بيبتزه.
وكان بيحاول ياخد
توقيعه على أوراق قبل ما يموت.
لم أستطع الكلام.
عقلي توقف.
والأسوأ
تنفس الرجل بقوة
أبوك كان عارف. وكان سايبه يفكر إنه كسب عشان يكشفه للآخر.
غطيت وجهي بيدي.
الرجل تابع
بس هو مش هيقف. مش بعد الفضيحة اللي حصلت في الجنازة.
الولد خطر.
ولازم تبقى مستعد.
وقبل أن أسأله أي شيء وقف فجأة ونظر حوله بخوف ثم قال
أنا قلت اللي عندي. والباقي انت تعرفه قريب.
وغادر.
تركني وحدي في المكان الذي أصبح أكثر ظلمة.
عدت للبيت وأنا أشعر كأني أزحف داخل كابوس لا نهاية له.
وضعت المفتاح في الباب لكنني سمعت صوتا من الداخل.
خطوات.
ثم ظل يتحرك.
انقبض قلبي.
فتحت الباب ببطء.
الصالون مطفأ لكن الضوء الخافت القادم من المطبخ كشف لي حقيقة مرعبة
كان أخي غير الشقيق واقفا هناك.
يبتسم.
ابتسامة باردة لا تشبه البشر.
قال بهدوء
اتأخرت.
لم أستطع الكلام.
تقدم خطوة.
فاكر إن الموضوع خلص
فاكر إن وصية هتوقفني
اقترب أكثر.
عيونه كانت تلمع بوحشية.
أنا استحق كل ده.
وأبوك كان جبان.
صرخت
إوعى تجيب سيرة أبويا!
لكنه لم يتوقف.
بل ضحك ضحكة قصيرة مرعبة.
أبوك كان فاكر نفسه ذكي
كان فاكر إنه ضحكني
ما يعرفش إن اللي بدأته هكمله.
تراجعت خطوة للخلف.
لكنه قال
إنت فاكر إنك الوحيد اللي ليه حق
استنى هوريك أنا أستحق إيه.
لكن فجأة سمعنا صوتا خلفه.
كانت أمي واقفة في الممر وجهها شاحب لكنها ثابتة.
قالت بصوت مرتجف لكنه قوي
اطلع بره.

إنت لا ابني ولا ابن جوزي
وأقسم بالله لو قربت خطوة تانية هتعرف يعني إيه غضب أم فقدت جوزها.
التفت إليها بملامح داكنة.
لكنها لم ترتجف.
لم تتحرك.
كانت تقف كالجبال.
بعد لحظة طويلة تراجع هو خطوة.
ثم أخرى.
ثم قال بصوت منخفض مليء بالسم
خلاص
بس ده مش آخر لقاء.
وغادر بهدوء جعلني أشعر بالخطر أكثر من لو كان صرخ.
بعد أن أغلق الباب خلفه سقطت أمي على الأرض تبكي وانحنيت لمساعدتها وقلبي يرتجف معها.
كانت تبكي أبي وتبكي خوفها علي وتبكي لأنها أدركت أن كل ما مر لم يكن سوى بداية معركة جديدة.
مسحت دموعها وقلت لها
أبويا قال ده مش آخر امتحان.
وأنا مش هسمح لحد يهد البيت اللي هو بنى.
ثم نظرت حولي للبيت الذي تركه أبي
وشعرت بأن هناك شيئا أكبر ينتظرني.
شيئا لم يكشفه أحد بعد.
شيئا موجودا في الصفحة الأخيرة من وصية أبي.
بعد يومين عدت لمكتب المحامي لأسأله عن الوثائق الإضافية التي ذكرها.
أخرج ملفا صغيرا وقال
أبوك ساب ورقة باسمك لكن ما تفتحهاش غير لما تبقى مستعد.
أمسكت الملف.
كان ثقيلا أكثر مما يبدو.
فتحته ببطء
ووجدت شيئا واحدا فقط
مفتاح.
وفي ورقة صغيرة بجانبه
المكان اللي هتفهم فيه كل شيء مكتبي القديم في المصنع.
ارتجفت.
المصنع المكان الذي ظل مغلقا منذ شهرين قبل وفاة أبي.
المكان الذي لم يكن أحد يدخل إليه أبدا.
وقفت.
شعرت بثقل مصيري يضغط على كتفي.
وقال المحامي
قبل خروجي
بس خلي بالك
أبوك
كان عامل حساب كل حاجة إلا إن حد يراقبك.
توقفت.
التفت له.
مراقبني
قال بجدية
في حد حاول يدخل المكتب من أسبوع.
ولما رجعت الكاميرات لقيته هو.
لم يسأل.
لم يقل مين هو.

تم نسخ الرابط