جنـازه والدي كاملة
كنا نعرف.
أخي غير الشقيق
لم يكن يريد المال فقط.
كان يريد السر.
السر الذي تركه أبي لي وحدي.
وهكذا
بين وصية تكشف وأخ ينكر وغضب أم وتحذير محام ومفتاح غامض
بدأت الرحلة الحقيقية.
رحلة ستكشف لماذا ظهر أخي فجأة
ومن الذي أرسله
وماذا كان أبي يخفي منذ سنوات
ورحلة ستجبرني على مواجهة الحقيقة الأكثر رعبا
أخي غير الشقيق
لم يكن يريد الميراث
كان يريد شيء آخر أخطر بكثير.
شيء تركه أبي
ولي وحدي.
شيء
كفيل
بتدمير
الجميع.
حملت المفتاح في يدي وأنا أشعر أنه أثقل من حجمه الحقيقي. لم يكن مجرد قطعة حديد بل كان يحمل في طياته شيئا تركه أبي شيئا رآه أخي غير الشقيق قبل أن أراه أنا.
وإلا لماذا كان يحاول دخول المكتب قبل أسبوع
لم أعد أنتظر. في نفس الليلة اتجهت إلى المصنع القديم.
الطرق كانت شبه فارغة والهواء بارد كأنه يحذرني.
اقتربت من البوابة الحديدية التي لم تفتح منذ شهور. أدخلت المفتاح وسمعت طقة خشنة كسرت الصمت.
المكان من الداخل كان غارقا في الظلام.
فتحت هاتفي وأضأت الكشاف.
أرضية مغبرة أوراق متناثرة مكتب أبي في آخر الغرفة كما تركه تماما قبل أن يمنعه المرض من الحضور.
اقتربت ببطء.
رائحة المكان كانت مثل ذاكرة بعيدة خليط من الخشب القديم والزيت الآلي وأبي وهو يعمل ويبتسم رغم التعب.
وضعت المفتاح في درج المكتب.
فتح بسهولة كأنه كان ينتظرني.
في
وعلى القماش ورقة كتب عليها أبي خطا يعرفه قلبي قبل عيني
افتح هذا الصندوق لو وصلت إلى هذه المرحلة.
ولو وصلت فاعرف أن كل شيء انكشف.
بيدي المرتجفة فتحت الصندوق.
في داخله ثلاث أشياء فقط
1. صورة قديمة لأبي شابا يقف بجوار امرأة لا تشبه أمي. امرأة جميلة غامضة تحمل طفلا رضيعا
لكن الطفل ليس أنا.
2. تحليل DNA قديم يعود لتسع سنوات مختوم باسم امرأة تدعى نجلاء مراد.
3. رسالة طويلة مكتوبة بخط يد أبي.
سحبت الرسالة وبدأت أقرأ.
ابني
الشاب الذي تسمونه أخاكإنه مجرد ضحية تم تربيته على فكرة واحدة
أنك سرقت حياته.
كدت أختنق.
ضحيت
هو ضحية
ذلك الشخص الذي هاجمنا وهددنا وشرد أبي نفسيا ضحية
واصلت القراءة.
لكن الضحية حين يتحول إلى وحش يجب إيقافه.
ابني
هو لن يتوقف.
تربى على أن حياته تبدأ عندما يأخذ منك ما يظنه حقه.
إنه لا يريد المال.
ولا البيت.
ولا الشركة.
إنه يريد أن يأخذ مكانك.
جسمي تجمد.
ولذلك
إن وصل إليك هذا الصندوق فاعرف أنه سيصل بعدك إلى هذا المكان.
ويجب أن تسبقه دائما بخطوة.
انتهت الرسالة.
لكن قلبي لم ينته.
جلست على الكرسي أنظر للصورة للتحليل للصندوق لأسرار ظن أبي أنه يقفلها للأبد.
وفجأة
سمعت خطوة خلفي.
ليس خيالي.
خطوة واضحة محمولة بالغضب.
التفت ببطء.
كان هو.
أخي غير الشقيق.
يقف أمام
نظر للصندوق ثم نظر لي.
وقال بصوت منخفض مثل صفير سكين
أخيرا وصلت للمرحلة دي.
لم أتحرك.
قال
عرفت كل حاجة
عرفت إنك سرقت طفولتي
سرقت حقي
سرقت مكاني
نهضت من الكرسي ببطء
أنت اتخدعت زينا كلنا.
وما حدش سرق منك حاجة.
ضحك ضحكة قصيرة مظلمة.
لا انت اللي اتسرق وانت اللي هتتدفع التمن.
وأخرج من جيبه سكينا.
دمي تجمد.
قلت له
لو أبويا كان هنا كان هيحضنك بدل ما ترفعه السلاح.
صرخ
أبوك كان كذاب!
ومات وسابني لوحدي.
تقدم خطوة.
رفعت يدي وأنا أحاول تهدئته
إنت مش وحيد.
نقدر نبدأ صفحة جديدة
لكن قبل أن أكمل
انقض علي.
دفعني بقوة فوق المكتب.
سقطت الأوراق الصندوق كل شيء تطاير.
تحسست الأرض بحثا عن شيء أدافع به عن نفسي.
هو كان فوقي تماما السكين يلمع قرب وجهي.
صرخت
اسمعني! ده مش طريقك! أنت
قال
كان لازم أكون مكانك كان لازم.
وفي اللحظة التي ظننت فيها أن النهاية جاءت
سمعنا صوتا مدويا
كفاية!!!
كانت أمي.
تقف عند الباب تمسك بأنبوبة حديدية كانت متكئة على الحائط.
وفي لحظة لا تنسى
هوت بها بقوة على ذراعه.
صرخ وسقط السكين.
ركلته بعيدا.
دفعته بقوة وتراجعت لأقف قرب أمي.
كان يتلوى على الأرض يصرخ من الألم ومن الغضب أكثر.
أمي صاحت فيه
إنت شاب اتاخد عمره في كذبة!
ولو عايز تنتقم روح دور على اللي
نظر إليها وهو يلهث ثم نظر إلي.
لحظة صامتة طويلة مؤلمة.
ثم قال بصوت مكسور صوت طفل ضائع
مين أنا
قولولي
مين
لم أستطع الإجابة.
فقد كان هذا السؤال أكبر من العدالة وأكبر من الميراث وأكبر من الغضب.
كان سؤالا لا يملك العالم كله إجابة له.
ببطء ببطء شديد وقف وابتعد للخلف والدموع للمرة الأولى تتجمع في عينيه.
قال
خلاص فاهم.
أنا محدش.
بس أوعوا تفتكروا إن ده نهاية حكايتي.
وغادر.
ترك الباب مفتوحا وشكله كأن الريح تسحبه خارجا.
مرت أسابيع.
لم يعد.
لم يتصل.
لم يسمع عنه أحد شيئا.
الشرطة قالت إنها مسألة نزاع ورث وانتهت.
لكنني كنت أعرف
أن القصة لم تنته.
يوما ما سيعود
لكن هذه المرة ليس ليسرق
بل ليبحث عن نفسه.
أما أنا
فقد بدأت أعيد بناء حياتي.
مع أمي.
مع إرث أبي الحقيقي اسمه حكمته ووصيته التي كانت أكبر من المال.
وفي يوم بينما كنت أغلق المصنع بعد إعادة تنظيمه وجدت ورقة صغيرة مدسوسة تحت الباب.
فتحتها.
كان مكتوبا بخط مرتعش
أنا مش عدوك.
أنا بس بدور على الحقيقة.
ولما ألاقيها هجيلك.
مش عشان أؤذيك
عشان أعرف أنا مين.
وقعها باسمه.
لأول مرة باسمه الحقيقي.
ليس الاسم الذي حاول سرقته.
ابتسمت بحزن.
رفعت رأسي للسماء وهمست
يا بابا
لسه قصتك مكملة جوانا.
ولسه اللي بنيته محافظين عليه.
وأقفلت المصنع.
كانت النهاية
لكنها لم تكن النهاية القاسية
كانت نهاية تعيد كل شخص لمكانه
ابن حقيقي
أم مخلصة
ورجل ضائع يبحث عن جذوره.
وهكذا
ختمت الصفحة الأخيرة
وأغلقتها بقلب ثابت.
لأن إرث أبي الحقيقي
لم يكن المال
بل الحقيقة.
تمت