عـابـره سبيل دقت ابواب قلـبي كامله حصري
صدره وقالت
هنا وفي كل خطوة نمشيها.
خاتمة
لم تكن إيلينا امرأة محظوظة.
لكنها كانت صامدة.
والصمود نوع آخر من المعجزات.
مرت الشهور وصارت المزرعة عالم إيلينا الجديد.
لم تكن تحب المكان في البداية رغم اتساعه وخضرته.
كان جميلا أكثر مما ينبغي وكأن الجمال نفسه يذكرها بكل ما فقدته.
لكن الحاجة تعلم الإنسان التكيف.
استيقظت كل صباح قبل الشروق ترضع طفلهاالذي سمته نوحثم تتركه في غرفة صغيرة قريبة من المطبخ حيث كانت الخادمة العجوز ماريا تراقبه بعينين امتلأتا بحكايات لم تحك.
كانت ماريا تقول لها دائما الأطفال اللي يولدوا من الألم يكون لهم شأن.
لم تكن إيلينا ترد.
لم تعد تؤمن بالنبوءات لكنها كانت تؤمن بالعمل.
17
دون إستيبان كان رجلا غريبا.
لم يكن لطيفا ولا قاسيا.
كان أشبه بجدار قديم صلب صامت لكنه يحمي ما خلفه.
لم يتدخل في
لكنه كان يراقب.
يراقب كيف تحمل ابنها وكأنها تحمل العالم كله.
كيف تعمل وهي متعبة دون شكوى.
وكيف في بعض الليالي تجلس وحدها قرب شجرة الزيتون الكبيرة وتحدق في السماء طويلا.
18
بعد عام مرض نوح.
حمى شديدة.
بكاء متواصل.
وجسد صغير لا يحتمل الانتظار.
حملته إيلينا وركضت إلى البيت الكبير طرقت الباب لأول مرة بيد مرتجفة.
خرج دون إستيبان.
لم تتكلم.
نظر إلى الطفل ثم قال فورا حضروا العربة.
سافروا ليلا إلى المدينة.
جلس هو في الخارج وهي في الداخل وكأن بينهما اتفاقا غير معلن
هذا الطفل خط أحمر.
نجا نوح.
وفي تلك الليلة حين عادوا بكت إيلينا أمام دون إستيبان لأول مرة.
لم يقل شيئا.
وضع معطفه على كتفيها وانصرف.
19
بدأت القرية تتكلم.
الأرملة الشابة.
صاحب المزرعة.
الطفل الذي ليس من
الكلام لا يحتاج دليلا يكفي فراغا.
سمعت إيلينا الهمسات لكنها تعلمت منذ الميتم أن الهمس لا يطعم طفلا.
20
في السنة الثالثة حدث ما لم تتوقعه.
وصل شاب إلى المزرعة يحمل صندوق أدوات نجارة.
قال جئت أبحث عن عمل. قالوا لي إن أفضل خشب هنا.
كان اسمه ماتيو.
حين رأته إيلينا تجمدت.
ليس لأنه يشبه توماس
بل لأنه لا يشبهه إطلاقا.
وكان هذا مخيفا.
21
ماتيو كان مرحا يتكلم كثيرا ويضحك بصوت عال.
كان نوح يتبعه في كل مكان وكأنه وجد أخا أكبر.
راقبته إيلينا بحذر.
الخوف لم يكن من ماتيو بل من نفسها.
من ذلك الإحساس الخفيف الخائن الذي همس أنت ما زلت حية.
22
في إحدى الأمسيات بينما كانت تخيط قرب النار قال لها ماتيو فجأة زوجك كان نجارا عظيما. دون إستيبان يحدثني عنه أحيانا.
رفعت رأسها ببطء لا أحب الحديث عنه.
أومأ باحترام
خرج.
وبقيت هي.
تبكي.
في تلك الليلة حلمت بتوماس.
لم يكن حزينا.
لم يكن غاضبا.
كان يقف قرب المهد يلمس الخشب ويبتسم.
قال لها عشت وهذا يكفي.
استيقظت وقلبها يرتجف.
24
مرت السنوات.
نوح كبر صار قويا ذكيا وهادئا أكثر من عمره.
كان يشبه أباه في عينيه ويشبه أمه في صبره.
وكان دون إستيبان يعامله كأنه حفيده دون أن يقولها.
وفي يوم ما مرض دون إستيبان.
مرض طويل.
جلست إيلينا قرب سريره رغم كل شيء.
قال لها بصوت متهدج أعرف أني سبب ألمك.
نظرت إليه طويلا ثم قالت وأنت سبب نجاتي.
ابتسم وأغلق عينيه.
25 الخاتمة
بعد وفاته ترك المزرعة باسم نوح.
قال في وصيته بعض الديون لا تسدد إلا بالحياة.
كبر نوح.
وصارت إيلينا امرأة تعرف أن القلب مهما انكسر يستطيع أن ينبض من جديد بشكل مختلف.
لم تتزوج.
لم تنس.
لكنها عاشت.
وعرفت أن النجاة ليست خيانة
وأن الألم لا يمنع النور
بل يعلمه الطريق.
تمت