سائق تاكسي أنقذ امرأة تلد في مقبرة… وبعد 10 سنوات عاد القدر بما لا يُصدَّق
قليلا كأنه أدى دوره وانسحب بينما حمل عمر المرأة والطفلة إلى سيارته القديمة. كانت الأبواب تصدر أنينا معدنيا مع كل حركة وكأن السيارة نفسها تحتج على ما تحمله.
قاد بأقصى ما تستطيع العجلات أن تمنحه.
لم يتوقف عند إشارات لم يفكر في مخالفات لم يسأل نفسه لماذا يفعل هذا أصلا.
كان هناك شيء واحد فقط يدفعه
لا يجب أن تموت.
ولا يجب أن تسرق هذه الحياة الوليدة من حقها في الوجود.
وصل إلى مستشفى حكومي قرب الفجر. أطلق بوق السيارة بجنون صرخ طالبا المساعدة غير آبه بنظرات الدهشة ولا بالأسئلة. هرع الممرضون أخذوا المرأة والطفلة وابتلعهم الممر الطويل.
جلس عمر على مقعد بلاستيكي بارد.
يداه ما زالتا ترتجفان.
ملابسه مبتلة وصدره فارغ كأنه أفرغ كل ما فيه دفعة واحدة.
مرت الساعات بطيئة ثقيلة.
وحين نهض أخيرا ليسأل لم يجد أحدا.
لا امرأة بهذا
لا مريضة نقلت.
لا سجل واضح.
كأنها لم تكن.
لم يبق سوى ظرف سميك تركه موظف الاستقبال بصمت.
فتح عمر الرسالة وقرأ بخط هادئ
عمر
ما فعلته هذه الليلة لا يقاس.
لا أستطيع الظهور الآن ولا حماية من يقترب مني.
الصمت هو نجاتنا جميعا.
سيأتي اليوم الذي أفي فيه بالدين.
صدقني لن أنسى.
طوى الرسالة ببطء.
لم يشعر بالغضب.
شعر بثقل سر وضعه القدر على كتفيه دون استئذان.
ومنذ تلك الليلة
لم يتكلم.
عاد إلى سيارته إلى لياليه إلى صمته القديم.
لكن شيئا داخله تغير.
كان يعلم دون منطق أن تلك الطفلة لم تكن عابرة في حياته.
مرت السنوات.
عشر سنوات كاملة.
ازداد الشيب في رأس عمر وانحنى ظهره قليلا لكن عينيه ظلتا تحملان ذلك العمق الغريب لرجل رأى ما لا يحكى.
لم يعرف أحد أنه شهد ولادة طفلة مطاردة ابنة امرأة كانت يوما عنوانا للقوة ثم صارت شبحا.
وفي عصر يوم عادي بينما كان ينفخ إطار سيارته قرب الرصيف توقفت أمامه سيارة سوداء فاخرة.
نظيفة صامتة لا تنتمي للمكان.
انفتح بابها ببطء.
نزلت فتاة في العاشرة تقريبا.
فستان أبيض بسيط بلا زينة بلا بهرجة.
خطواتها ثابتة نظرتها هادئة على نحو غير مألوف لطفلة في سنها.
انقبض صدر عمر دون سبب مفهوم.
حدقت فيه طويلا كأنها تقرأ ملامحه تحفظها ثم انحنت باحترام.
مساء الخير يا سيدي.
مساء النور قال متحفظا.
رفعت رأسها وقالت بصوت ثابت
هل تتذكر مقبرة روضة السكون
توقف الزمن.
عاد المطر.
عاد الأنين.
عاد البكاء الأول.
كاد قلبه يتوقف.
قبل أن ينطق فتح الباب الخلفي.
نزلت امرأة.
لم يحتج عمر إلى سؤال.
عرفها فورا.
ليلى الراوي.
الملامح نفسها أكثر نضجا أقل خوفا.
في عينيها طمأنينة لم تكن موجودة يوما في تلك الليلة.
اقتربت ببطء وكأنها تخشى أن
عمر قالت بصوت متهدج. وجدتك أخيرا.
لم يرد.
فقط نظر إليها ثم إلى الفتاة ثم عاد إليها.
جلست الثلاثة داخل السيارة.
وروت ليلى كل شيء.
روت الخيانة.
المؤامرة.
الحادث المدبر.
كيف أعلنوا موتها ليستولوا على الشركة.
كيف اختارت الاختفاء أن تلد في الظل أن تعيش سنوات تراقب وتخطط بصبر قاتل.
روت كيف عادت.
وكيف استعادت كل شيء.
ثم نظرت إليه بعينين دامعتين
أول قرار اتخذته بعد عودتي كان البحث عنك.
اقتربت الفتاة أمسكت بيد عمر الصغيرة الدافئة.
اسمي نور قالت ببساطة. وأنت أنقذت حياتي.
انفجرت دموع عمر.
لم يقاوم.
لم يختبئ.
عرضت ليلى عليه كل شيء
بيتا مالا راحة نهاية مختلفة لتعب السنين.
هز رأسه بهدوء.
أنا بخير هكذا قال. يكفيني أن أعرف أنها بخير.
بكت ليلى كما لم تبك من قبل.
بعد عشر سنوات من ولادتها في ظلام مقبرة
عادت
لم يعلم أحد.
لكن القدر
لا ينسى ديونه أبدا.