6 سنوات وأنا ألوم نفسي… حتى كشف المستشفى الجريمة التي صدمت الجميع
لم يمتلئ به. رأيت آباء يحملون أطفالهم أمهات يضحكن عربات رضع تتحرك بلا خوف. عندها فقط أدركت حجم ما سرق مني ليس حياة طفلي فقط بل إحساسي بالأمان وثقتي بنفسي وحقي في حزن نقي.
في الأيام التي تلت الاعتراف لم يعد الزمن يسير كما اعتدته. كان يتحرك ببطء ثقيل كأن كل ساعة تحمل وزن سنوات كاملة. انتشرت القصة بسرعة لم أتوقعها عناوين صارخة تقارير متلاحقة ومقاطع أرشيفية لرجل كان يوما زوجا وأبا في نظر الجميع.
قضية مقتل رضيع جريمة داخل وحدة حديثي الولادة أب يشتبه في قتله طفله بدافع الطمع. كلمات ثقيلة لكنها أخيرا سمت ما حدث باسمه الحقيقي.
لم أبحث عن الأضواء ولم أسع للتعاطف. كنت أقرأ بعض الأخبار ثم أغلق الهاتف كأنني أحتاج إلى مسافة بيني وبين الضجيج كي أظل قادرة على التنفس. الحقيقة لم تعد سرا لكنها لم تكن شفاء فوريا. الحقيقة فقط أزاحت الغشاوة وتركتني أمام وجع نقي بلا أكاذيب تحيط به.
بدأ أشخاص من الماضي يظهرون فجأة. أصدقاء اختفوا بعد الطلاق زملاء عمل قدامى حتى بعض أفراد عائلة يوسف.
بعضهم اعتذر لأنه صدق روايته
كنت أستمع في هدوء. لم أكن أبحث عن تبرير ولا عن إدانة متأخرة. أدركت أن الصمت أحيانا لا يكون قسوة بل خوفا وعجزا وأن الحقيقة حين تدفن طويلا تربك الجميع عندما تخرج.
عدت إلى العلاج النفسي لكنني لم أعد المرأة نفسها. لم أدخل الغرفة مثقلة بالذنب فقط بل مسلحة بالمعرفة. صرت أتحدث عن السنوات التي عشتها وأنا أعاقب نفسي على جريمة لم أرتكبها عن الليالي التي كنت أستيقظ فيها مفزوعة على صوت بكاء طفل لا وجود له عن ذلك الشعور العميق بأنني لا أستحق الفرح.
في إحدى الجلسات قالت لي المعالجة بنبرة هادئة وحاسمة
أنت لم تفقدي ابنك فقط. لقد سرقت منك روايتك عن نفسك. حملت ذنبا لم يكن لك.
تلك الجملة فتحت في داخلي بابا لم أجرؤ على الاقتراب منه من قبل. للمرة الأولى سمحت لنفسي أن أرى الأمور بوضوح كامل. لم أكن أما فاشلة ولم أكن امرأة معطوبة.
بدأت تفاصيل صغيرة تطفو إلى السطح كأن ذاكرتي قررت أخيرا أن تتكلم. نظرات يوسف الباردة بعد الولادة اهتمامه المفاجئ بالأوراق والتوقيعات استعجاله غير المفهوم لإنهاء كل شيء محاولاته المستمرة لإبعاد الحديث عن المستشفى. كل تلك الإشارات التي بدت لي آنذاك مجرد تصرفات رجل محطم صارت الآن أجزاء واضحة في لغز جريمة متكاملة.
ومع مرور الوقت تغيرت طريقة تنفسي. لم يختف الحزن لكنه لم يعد يلتهمني بالكامل. صار موجودا في الخلفية لا في مركز حياتي. سمحت لنفسي بالضحك أحيانا دون أن أشعر بالخيانة بالخروج في نزهات قصيرة بالقراءة والكتابة وبإعادة التواصل مع العالم خطوة خطوة.
في أحد الأيام قررت أن أفعل شيئا بسيطا لكنه عميق المعنى. ذهبت إلى حديقة صغيرة قريبة من منزلي هادئة مليئة بأشجار قديمة شهدت حيوات كثيرة. حفرت بيدي غرست شتلة صغيرة وسقيتها بالماء.
لم أبك كثيرا. شعرت بشيء أقرب إلى السلام.
قلت في سري إنني
صرت أزور تلك الشجرة باستمرار. أجلس قربها أراقب تغير الفصول نمو الأوراق تساقطها ثم عودتها من جديد. لم أزرها لأغرق في الحزن بل لأتذكر أن الحياة رغم قسوتها قادرة على الاستمرار وأن العدالة حتى وإن تأخرت يمكن أن تجد طريقها.
قضية يوسف ما زالت مستمرة في المحاكم. أعلم أن الطريق طويل وأن لا حكم سيعيد لي ابني. لكن ما استعدته لا يقل قيمة اسمي وكرامتي وصدقي مع نفسي. لم أعد تلك المرأة التي تمشي ورأسها منكس تحمل ذنبا ليس لها. صرت امرأة تعرف الحقيقة وتعيش معها وتمضي قدما دون أن تنسى.
ربما لن أشفى تماما. ربما سيظل هناك فراغ لا يملؤه شيء. لكنني تعلمت أن الفراغ لا يعني الانكسار وأن الألم يمكن أن يتحول إلى قوة هادئة صلبة لا تصرخ لكنها لا تنكسر.
وهكذا للمرة الأولى منذ وفاة ابني لا أعيش فقط لأتجاوز اليوم بل لأبني غدا.
غدا يحمل في طياته
ذكرى طفل لم يمنح فرصة وقصة امرأة نجت من الجريمة ومن الخيانة ومن الصمت وقررت