المليونير عاد إلى البيت فجأة

لمحة نيوز

صاخبا ولا استثنائيا بمعايير الصورة المثالية لكنه كان حيا على نحو أربكه.
في وسط غرفة الطعام كانت الطاولة الكبيرة مغطاة بمفرش قطني بسيط لا يشبه تلك الأقمشة الفاخرة التي تظهر في المجلات بل يحمل آثار استخدام حقيقي. بقايا دقيق متناثرة وبقع شوكولاتة صغيرة عند الأطراف كأن اللحظة لم تعد للعرض بل للعيش.
جلس آدم وريم على الكراسي وجنتاهما محمرتان من الضحك وملابسهما ملوثة بالكريمة والكاكاو كأنهما خرجا للتو من معركة سعيدة.
وبينهما استقرت كعكة شوكولاتة غير متقنة الشكل لكنها صادقة. فواكه موضوعة بعفوية طبقة كريمة لم تسو تماما وخط غير منتظم من مسحوق الكاكاو رسمه طفل أصر أن يترك أثره.
كانت هالة تقف قرب الطاولة تحمل سكينا صغيرة تقطع الكعكة إلى قطع متقاربة وتضحك ضحكة خافتة صافية. لم تكن في تلك اللحظة مدبرة منزل بل إنسانة تشارك طفلين فرحا بسيطا. كانت تميل لتسوي كرسي ريم وتربت على كتف آدم كأنها تعرف تماما أين يختبئ حزنهما وأين يمكن للضحكة أن تنقذه.
لم يتحرك سليم.
شعر بشيء يعتصر حلقه كأن الكلمات
فقدت طريقها. لم تكن الكعكة هي ما هزه ولا الضحك وحده. كان الإدراك المفاجئ القاسي أن هذا البيت كان قادرا على الحياة طوال الوقت لكنه لم يكن حاضرا ليشهد ذلك.
ارتفعت حرارة عينيه دون إذن. حاول أن يستعيد صلابته المعتادة أن يتذكر أنه رجل أعمال اعتاد السيطرة لكن كل تلك الأفكار بدت هشة أمام المشهد. كان يرى أمامه عائلة صغيرة تبنى في غيابه بلا ثروة بلا خطط فقط بحضور صادق.
تذكر ليلى فجأة. تذكر كيف كانت ستضحك لو رأت الفوضى الجميلة وكيف كانت ستقول له هذا هو البيت لا ذاك الصامت الأنيق.
وشعر بالذنب كأنه حجر استقر في صدره.
هو الذي بنى شركات وأبراجا لم يبن لحظة واحدة مع طفليه منذ رحيل أمهما.
وفي تلك اللحظة التفت آدم.
توقفت ضحكته حين رأى والده.
ريم أيضا التفتت وامتزجت الدهشة بالفرح في عينيها.
أما هالة فتصلبت قليلا. وضعت السكين جانبا ومسحت يديها في المئزر كمن يستعد لتبرير شيء لم يطلب منه. كانت تعرف أن سليم لا يحب الفوضى ولا يحب تجاوز الحدود.
لكن سليم لم يوبخ.
لم يسأل.
خرجت منه كلمة واحدة مكسورة
لكنها صادقة
شكرا.
قالها وهو ينظر إلى طفليه ثم إلى هالة كأنه يراهم للمرة الأولى.
لم تفهم ريم المعنى كاملا لكنها فهمت أن أباها هنا. نهضت بسرعة وركضت نحوه ويداها ملطختان بالكريمة دون تردد. عانقته بقوة وتركته يتلطخ دون اكتراث ببدلته المكلفة.
آدم تردد لحظة ثم اقترب ووضع يده على ذراع أبيه حركة صغيرة لكنها ثقيلة المعنى.
انخفض سليم على ركبتيه أمامهما.
ضمهما وشعر للمرة الأولى منذ سنوات أن حضن طفل قادر على إسقاط جدران كاملة. خرجت دموعه دون مقاومة.
قال آدم بصوت خافت
بابا جيت بدري.
هز سليم رأسه وصوته يرتجف
كان لازم أجي.
رفع نظره نحو هالة وقال بصعوبة
أنا لم أكن أعرف.
قالت بسرعة كأنها تخشى سوء الفهم
لم أتجاوز حدودي سيدي. اليوم ذكرى صغيرة أردنا فقط أن نخففها.
توقف.
ذكرى ماذا
خفضت ريم رأسها وقالت بصوت طفولي
ذكرى ماما.
شعر سليم كأن الهواء انسحب من الغرفة. لم يتذكر التاريخ. أو ربما دفنه كالعادة تحت العمل.
لكن طفليه لم ينسيا.
جلس معهم. لم يهتم ببقع الكريمة. تذوق قطعة من الكعكة. لم تكن حلاوتها
في السكر بل في المعنى.
ضحك آدم حين رأى الكاكاو على فم أبيه وقال
صرت مثلنا.
ابتسم سليم بصدق
كان لازم أكون من زمان.
ذلك اليوم لم ينته عند الكعكة.
في المساء جلس سليم في غرفة الجلوس بينما كانت هالة ترتب بهدوء. قال فجأة
لماذا تعملين هنا
ترددت ثم قالت
لأن البيوت تحتاج إلى روح وأحيانا لأنني أفتقد روحا تخصني.
وحين أخبرته عن طفلها الذي فقدته فهم أخيرا أن الفقد لا يقاس بالمكانة ولا بالمال بل بالفراغ الذي يتركه.
في الأيام التالية تغير كل شيء.
عاد سليم مبكرا. ألغى اجتماعات. جلس مع آدم رسم مع ريم تعلم ببطء أن يكون حاضرا.
صار البيت أقل كمالا وأكثر حياة.
وفي ليلة عاصفة انقطع فيها التيار احتضن ريم وقرأ لها قصة بصوت متعثر بينما جلس آدم عند الباب يستمع بصمت.
هالة راقبت المشهد من بعيد ودمعة خفيفة انسلت دون أن تنتبه.
فهم سليم الحقيقة أخيرا
أنه لم يخسر زوجته فقط بل كاد يخسر طفليه وهو حي.
وفي مساء هادئ وجد ورقة صغيرة على الطاولة بخط ريم
بابا شكرا لأنك بقيت.
جلس وبكى.
أدرك أن أعظم إنجاز في حياته
لم يكن ثروة ولا نفوذا بل قراره أن يعود وأن لا يرحل مرة أخرى.

تم نسخ الرابط