رواية مسكينه ام مديره كاملة اسما السيد

لمحة نيوز

شاب فقير يعمل بورشة ميكانيكا، صلّح سيارة سيدة مسنّة مجانًا بعدما صعبت عليه حالتها.
سيارتها كانت موديل قديم، بالكاد تتحرك… فكان المقابل أنه اتطرد من شغله واتهان بشدة.
لم يكن يعلم أن هذا القرار البسيط، سيكون بداية طريق مختلف تمامًا.
في ذلك اليوم، خسر علاء عمله لأنه اختار أن يفعل الصواب.
لم يفكر طويلًا، ولم يوازن بين الخير والخسارة، فقط استجاب لنداء داخلي لم يتعلم كيف يتجاهله.
كان علاء يعمل ميكانيكيًا في ورشة صغيرة عند ناصية شارع مزدحم منذ ثلاث سنوات.
ورشة لا تهدأ أبدًا، الزبائن يدخلون ويخرجون بلا توقف، والوقت فيها يُحسب بالمال.
أي دقيقة ضائعة تعني خسارة، وأي خصم غير محسوب يعني مشكلة.
صاحب الورشة، الحاج محسن، رجل قاسٍ في التعامل، لا يعرف المجاملة في الشغل.
كان يرى أن الرحمة تُضعف، وأن اللي ما يدفعش ما يستحقش الخدمة.
قانون الورشة واضح: الحساب أولًا، ثم أي شيء آخر.
في عصر يوم شتوي ممطر، توقفت سيارة قديمة أمام الورشة.
نزلت منها سيدة مسنّة، تجاوزت الخامسة والسبعين على الأرجح.
خطواتها كانت بطيئة، ظهرها منحني، وملابسها بسيطة توحي

بحياة طويلة من التعب.
كانت تحمل حقيبة قديمة ابتلّت أطرافها بالمطر، وتلفّتت حولها بتردد واضح.
سيارتها كانت تُصدر صوتًا غريبًا، وتتوقف عن التشغيل أكثر من مرة.
اقترب علاء، وطلب منها أن تفتح غطاء المحرك.
استمع للصوت قليلًا، ثم بدأ الفحص.
لم يحتج الأمر وقتًا طويلًا.
العُطل كان بسيطًا: شمعات تالفة وسلك مفكوك.
إصلاح لا يستغرق أكثر من عشرين دقيقة، وقطع غيار لا تتجاوز قيمتها مائة وخمسين جنيهًا.
أنجز علاء العمل بهدوء، دون ضجيج أو لفت انتباه.
وحين انتهى، مسح يديه، وجاء وقت الحساب.
فتحت السيدة محفظتها المهترئة، وأخرجت ما بداخلها بيد مرتعشة.
ثمانون جنيهًا فقط… أوراق مجعّدة، وبعض العملات المعدنية.
رفعت رأسها ونظرت إليه بعينين ممتلئتين بالحرج، وقالت بصوت مكسور:
«ده كل اللي معايا يا ابني… ومش هيبقى معايا فلوس تاني غير بعد أسبوعين.»
تجمّد علاء لحظة.
نظر إلى المبلغ، ثم إلى وجهها المتعب.
التفت بعينيه ناحية مكتب الحاج محسن، فوجده منشغلًا مع زبائن آخرين، لا ينتبه لما يحدث.
اتخذ قراره في لحظة واحدة.
أخذ الثمانين جنيهًا فقط، وأعاد لها المفاتيح.

— العربية جاهزة يا حاجة… ربنا يسهّل طريقك.
لم تصدّق السيدة ما سمعته.
وقفت مكانها للحظة، ثم اقتربت منه واحتضنته.
الدموع كانت في عينيها، والدعاء على لسانها وهي تغادر الورشة.
مرّت ساعتان فقط.
كان الحاج محسن يراجع الحسابات، حين لاحظ نقصًا في الإيراد.
بدأ يسأل، ويتتبع، حتى وصل إلى علاء.
واجهه مباشرة.
لم يُنكر علاء شيئًا.
انفجر الحاج محسن غاضبًا:
— إنت فاكر نفسك بتشتغل في إيه؟ ده شغل… مش جمعية خيرية!
— إنت مفصول!
لم يناقش علاء، ولم يحاول الدفاع عن نفسه.
جمع أدواته في صمت، وخرج من الورشة تحت أنظار الجميع.
عاد إلى بيته الصغير بلا عمل، ولا دخل، ولا أي فكرة عما ينتظره.
جلس على سريره، وشعر بثقل الواقع يهبط عليه دفعة واحدة.
لكن، رغم كل شيء، كان ضميره مرتاحًا.
لم يكن يعلم أن تلك السيدة المسنّة…
لم تكن مجرد زبونة عابرة.
يتبع…
مرت خمسة أيام ثقيلة على علاء.
أيام بلا شغل، بلا دخل، وبلا أمل واضح.
كان يقضي معظم وقته جالسًا في شقته الصغيرة، يفكر في مستقبله، وفي السؤال الذي لم يفارقه:
هل كان اللي عمله صح؟
في صباح اليوم السادس، وبينما كان يحاول
إصلاح مروحة قديمة، سمع طرقًا خفيفًا على الباب.
نهض بتثاقل، وفتح.
أمامه وقف رجل أنيق، في منتصف الأربعينات، يرتدي بدلة رسمية، وملامحه هادئة على غير المتوقع.
— حضرتك علاء كارم؟
— أيوه… في حاجة؟
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة وقال:
— أنا جاي نيابة عن السيدة منار عبدالله.
تجمّد علاء في مكانه.
الاسم مرّ على أذنه كالصدى.
لم يعرف من تكون، لكنه شعر أن هناك أمرًا غير عادي.
أخرج الرجل ظرفًا أنيقًا وقدّمه له.
— السيدة منار تحب تقابلك بكرة الساعة 3 العصر، في مكتبها.
فتح علاء الظرف بيدين مرتعشتين.
في الداخل بطاقة ذهبية، وعنوان يعرفه جيدًا…
أحد أفخم المباني في قلب المدينة، مبنى لا يدخله إلا أصحاب النفوذ.
تلك الليلة، لم يعرف علاء النوم.
ظل ينظر إلى الظرف الموضوع على الترابيزة الصغيرة، كأنه دخيل على عالمه.
كان يسأل نفسه مرارًا:
مين تكون الست دي؟
وهل ممكن تكون هي نفسها السيدة البسيطة اللي دخلت الورشة بعربية قديمة؟
مع أول ضوء صباح، توضأ علاء وصلى، ودعا الله أن يكون القادم خيرًا، أو على الأقل ألا يكون شرًا جديدًا.
في اليوم التالي، وقف أمام المبنى
الضخم.
زجاج لامع، بوابة حديدية، أفراد أمن ببدل رسمية.
شعر أنه في عالم لا يشبهه.

تم نسخ الرابط