رواية احذر لا تستهين ابدا باهدأ شخص بالغرفه كاملة تمصير اسما السيد
لكن نجلاء… تنفّسها لم يتغير.
شهيق بطيء… ثبات… زفير…
وعيناها لا تنظران إلى الوجوه، بل إلى السلاح، كما لو أن العالم كله انكمش إلى تلك المسافة بين عينيها والهدف.
اقترب واحد منهم أكثر، ساخرًا: — «وشم مزيف وجندية مزيفة… هتقولي لنا بقى إنك كنتِ من قوة سرية؟»
ضحكوا، ودفع أحدهم كتفها دفعًا خفيفًا ليستفزّها.
الجمهور في المدرجات انحنى للأمام، متعطشًا للإهانة.
نجلاء لم تقل شيئًا.
وضعت يدها على قبضة البندقية البالية… كأن الضجيج كله لا يخصّها.
في تلك اللحظة، ضابط كبير في الصفوف الخلفية—المقدم شريف الدسوقي—شدّ انتباهه شيء لا يعرفه كثيرون: انضباط النفس وسط الفوضى.
لم يستطع تفسيره، لكن شعورًا داخليًا قال له إن الأمر ليس مزحة.
وكان محقًا.
لأن هذا لم يكن على وشك أن يكون “إحراجًا” كما توقعوا…
بل على وشك أن يكون اللحظة التي يتعلم فيها الجميع أن أخطر شخص في المكان… هو الذي اعتبروه “لا أحد”.
ازدحم الناس قرب حافة المدرجات عندما التقطت نجلاء البندقية أخيرًا. الشريط اللاصق أصدر خشخشة تحت أصابعها. رجفت يدها بوضوح وهي ترفع السلاح إلى كتفها. بدت حركتها مترددة… هاوية… تمامًا كما تمنوا أن تكون.
وقف الرقيب حسام يضحك: — «حاولي ما تئذيش نفسك… دي مش عصاية مكنسة!»
تعالت التعليقات: — «مش قادرة تمسكها مستقيم» — «مستنيين الدراما»
نجلاء تجاهلتهم.
تنفّسها يعود لإيقاعه المنضبط… كأنها تحفظه منذ عمر: شهيق… ثبات… زفير.
ثم ضغطت الزناد.
دوّى صوت الطلقة
وعلى شاشة التسجيل الإلكتروني ظهرت النتيجة… في قلب الدائرة تقريبًا.
لسانية واحدة، لم يتحرك أحد.
كأن الضحك انقطع بسكين.
تمتم واحد من فصيل حسام بسرعة: — «ضربة حظ… أي حد ممكن يصيب مرة!»
لكن نجلاء أنزلت السلاح بهدوء، وملامحها لم تتغير.
قالت بصوت منخفض كأنها تتحدث عن شيء عادي: — «السلاح ده فيه عطل بسيط… اللي استخدمه قبلي كان بيتعامل معاه من غير ما يحس.»
تجمّد الرقيب حسام: — «إنتِ بتقولي إيه؟»
كررت بهدوء: — «بقول… فيه عطل. ومش أي حد يلاحظ.”
خط.خط.فف أحد أفراد الفصيل البندقية منها وتفحّصها بعصبية. بعد لحظات، تغيّر وجهه: — «يا نهار… هي… عندها حق.»
ارتبك الجمع. خفتت الضحكات. انخفضت بعض الهواتف قليلًا لأول مرة.
حاول حسام يستعيد سيطرته: — «يعني بتفهمي شوية في السلاح… مش معنى كده إنك شاطرة. ده ما يثبتش حاجة!»
قفز أحدهم بتحدٍ: — «خلّينا نزوّدها… خمس طلقات لمسافة أبعد. لو فشلت تعتذر قدام الكتيبة وتقول الوشم ده مزيف.»
همهمات انتشرت. التحدي أصعب بكثير. الضحك عاد… لكن هذه المرة كان ضحكًا متوترًا.
نجلاء لم تنظر لأي وجه. فقط قالت: — «خمس طلقات.»
قال حسام وهو يضحك بصوت عالي: — «ولو نجحتي؟»
ردت ببساطة: — «ساعتها… تبقى عرفتوا إنكم كنتوا غلط.»
قهقه حسام: — «لو نجحتي أنا هنظّف حمّامات المعسكر شهر!»
تعالت الصيحات. ارتفعت الهواتف ثانية.
لكن نظرة المقدم شريف كانت تزداد قلقًا… لأن تنفّسها لم يتغير.
ولا ثانية واحدة.
رفعَت نجلاء
طلقة… إصابة قريبة من المركز.
طلقة ثانية… أقرب.
ثم ثالثة… والرابعة… والخامسة…
وعلى الشاشة ظهرت الثقوب في ترتيب… كأنه شكل مقصود.
قال أحدهم بصوت مخنوق: — «دي… دي بتعمل حرف؟»
تجمّد الجميع عندما اكتمل الشكل: حرف “ڤ” واضح.
صمتٌ مطبق سقط على الميدان.
بعض القدامى تبادلوا نظرات ثقيلة… نظرات فيها خوف وذاكرة.
تمتم واحد: — «الحرف ده… شفته قبل كده… في حكايات قديمة…»
وقال آخر بصوت خافت: — «كانوا بيقولوا عليه… الأفاعي…»
نجلاء أنزلت السلاح، ويداها ترتجفان كعادتهما، لكن عينيها… لم تهتزّ.
لم تمضِ دقائق حتى حدث ما لم يتوقعه أحد.
دوّى إنذار في المعسكر… ليس تدريبًا.
ثم جاء عبر مكبرات الصوت نداء عاجل يُجمّد الدم: «تنبيه أمني… هذا ليس تدريبًا… خطر مسلح خارج السور.»
سقطت أول طلقة على حاجز إسمنتي قرب المدرجات، وتطاير غبار الحجر.
صرخ الجنود: — «انبطحوا!»
انفجر الميدان فوضى.
اختلطت الأوامر على اللاسلكي. ارتفعت أصوات هلع.
الرقيب حسام حاول يصرخ: — «خدوا ساتر!»
لكن الذعر سبق النظام.
وفي وسط كل ذلك… نجلاء لم تتحرك كالمذعورين.
وقفت، رأسها مائل قليلًا، عيناها تمسحان الأفق بهدوء غريب… هدوء لا يملكه إلا من عرف الرصاص قبل هذا اليوم.
سقطت طلقة أخرى قربها بمسافة خطيرة.
ولأول مرة، خرج صوتها واضحًا وسط الصخب: — «المكان… من الناحية الغربية… مرتفع…»
حدّق المقدم شريف فيها مذهولًا.
هذه ليست مصادفة. ليست “حظ”.
تحركت نجلاء نحو رف الأسلحة
سحبَت بندقية بعيدة المدى من الرف، وارتمت خلف ساتر، وبدأت تلتقط المشهد بعين خبيرة.
ثوانٍ… ثم طلقة واحدة منها دوّت… أثقل وأعمق.
وفجأة… توقفت النيران المعادية.
جاء صوت اللاسلكي: — «الخطر انتهى… تم إسقاط المسلح.»
سقط الصمت على الميدان كما يسقط غطاء ثقيل.
نهض الجنود ببطء… ينظرون إلى نجلاء كما لو أنهم يرونها لأول مرة.
كانت يداها ترتجفان مجددًا… لكن في تلك اللحظة فهم الجميع:
الرجفة ليست ضعفًا… إنها أثر حياة كاملة مرّت فوق الأعصاب.
لم تمضِ دقائق حتى ظهر العقيد طارق العزبي، قائد المعسكر، قادمًا بخطوات ثابتة. كانت ملامحه شاحبة، وعيناه لا تفارقان نجلاء.
وقف على مسافة منها، وصوته يحمل رهبة غير معتادة: — «عرّفي بنفسك.»
كانت المدرجات كلها حبسَت أنفاسها.
قالت نجلاء بهدوء: — «أنا… شغّالة صيانة يا فندم.»
اهتزّ همس خافت بين الصفوف.
لكن العقيد… لم يضحك. لم يشكّك.
بل رفع يده ببطء…
وأدى لها التحية العسكرية… أمام الجميع.
تجمّد الميدان.
هواتف انخفضت. وجوه انقلبت للذهول.
الرقيب حسام نفسه، الذي كان قبل دقائق يتحداها، لم يستطع رفع عينيه عن الأرض.
أعادَت نجلاء التحية بدقة مثالية… ثم أنزلت يدها المرتجفة وكأن شيئًا لم يحدث.
قال العقيد بصوت رسمي: — «المكان كله… مدين لكِ بالسلامة.»
لم تُجب.
لم تطلب تصفيقًا. لم تبحث عن كاميرا.
فقط شدّت كمّها فوق الوشم، وأخذت خطوة للوراء…
وعادت—كما كانت دائمًا—ظلًا
لكن لا أحد على ذلك الميدان… سيرى “عاملة الصيانة” بنفس العين بعد اليوم.
تمت