منعت من حضور ولادة حفيدي
منعت من حضور ولادة حفيدي لذا عندما طلب مني دفع فاتورة العلاج البالغة 10000 دولار أخبرتهم برأيي بصراحة.
استغرقت رحلة الحافلة اثنتي عشرة ساعة لا تطاق لكن لبنى لم تبال بألم ظهرها أو الإرهاق المتراكم في ساقيها اللتين بلغتا الستين من العمر.
كانت لبنى تحتضن حقيبة قماشية صغيرة تضغطها إلى صدرها كما لو كانت تخشى أن تضيع منها أو أن يسرقها التعب في لحظة غفلة. داخل الحقيبة بطانية حيكت يدويا غرزة بعد غرزة خلال أمسيات طويلة قضتها وحدها تتوقف أحيانا لتريح أصابعها المتصلبة ثم تعود للحياكة بإصرار يشبه الصلاة. صوف ناعم بلون كريمي اختارته بعناية ليكون أول ما يلامس جلد حفيدها أول دفء يتلقاه من العالم.
نسيت الجوع والعطش وتصالحت مع وجع الظهر وتنميل الساقين لأن تلك الرحلة لم تكن سفرا عاديا بل عبورا إلى لحظة انتظرتها منذ أشهر. منذ أن أخبرها ابنها مروان بخبر الحمل تغير إيقاع أيامها. صارت تعد الأسابيع وتخطط لكل تفصيلة وكأنها شريكة خفية في هذا الميلاد.
عندما توقفت الحافلة أخيرا نزلت لبنى بخطوات بطيئة لكنها ثابتة. كان مستشفى المدينة يقف أمامها بهيبته الباردة جدران زجاجية تعكس السماء ولا تعكس الوجوه وبوابات أوتوماتيكية تنفتح بلا اكتراث كأنها لا ترى من يعبرها ولا تسأل عن سبب مجيئه.
وقفت لحظة أمام المدخل سوت شعرها الأبيض القليل وعدلت معطفها الداكن ثم ابتسمت لامرأة رأتها في انعكاس الزجاج. امرأة أنهكها الزمن لكنه لم ينجح في كسرها.
دخلت قسم الولادة وقلبها يخفق بشدة. كانت تتوقع أن ترى مروان يهرع نحوها أن يفتح ذراعيه كما كان يفعل في طفولته عندما تعود من سفر قصير. لكنها لم تجده. بحثت بعينيها في الوجوه في الكراسي في الممر الطويل حتى لمحته في نهايته.
كان مروان يسير جيئة وذهابا يفرك مؤخرة رقبته بعصبية حركة قديمة تعرفها لبنى جيدا. تلك الحركة لم تظهر إلا في لحظات الخوف أو الذنب. شعرت بانقباض خفيف في صدرها لكنها تجاهلته وتقدمت نحوه.
يا بني! قالتها بلهفة صادقة. وصلت بأسرع ما يمكن. كيف
توقف مروان أمامها لكنه لم يبتسم. لم يعانقها. اكتفى بالوقوف مترددا ثم وضع يده على كتفها ليمنعها من التقدم نحو الغرفة رقم 304 حيث كانت تتسرب أصوات ضحك مكتوم وكلمات تهنئة.
أمي انتظري قليلا قال بصوت منخفض. الأمر ليس سهلا.
نظرت إليه لبنى في حيرة.
ليس سهلا أنا جدته مروان. سافرت اثنتي عشرة ساعة لأراه دقيقة واحدة فقط. سأعطيه البطانية وأعود إلى الفندق.
خفض عينيه وكأنه يبحث عن كلمات أقل قسوة ثم قال
إيمان طلبت أن يكون معها أهلها فقط الآن. تقول إنها تشعر براحة أكبر معهم.
شعرت لبنى كأن الكلمات تسقط أمامها واحدة تلو الأخرى. حاولت أن تبتسم أن تفسر الأمر بتعب الولادة.
هذا طبيعي قالت بهدوء. لكنني سأنتظر قليلا حتى تهدأ ثم أدخل.
هز رأسه ببطء ثم أخذ نفسا عميقا وقال الجملة التي لم تكن مستعدة لسماعها
الحقيقة يا أمي هي لم ترد وجودك أصلا. قالت إن وجودك يسبب لها توترا. أرجوك لا تضغطي عليها.
في تلك اللحظة بدا
نظرت إلى الحقيبة في يدها إلى البطانية التي حيكت بحب وشدت عليها بأصابعها. لم تبك. لم تصرخ. فقط أومأت برأسها ببطء وقالت بصوت ثابت
أفهم.
استدارت ومشت نحو المخرج بخطوات هادئة مرفوعة الرأس. لم تلتفت خلفها ولم تسمح لدمعة واحدة أن تسقط. خرجت من المستشفى كما دخلته وحدها.
كانت لا تعلم أن هذا الوداع الصامت لم يكن نهاية الألم بل بدايته فقط
عادت لبنى إلى بيتها مع حلول المساء كأنها تعود من جنازة لم يعلن عنها. أغلقت الباب خلفها بهدوء وخلعت معطفها وجلست على الكرسي الخشبي في المطبخ دون أن تشعل الضوء. ظلت دقائق طويلة تحدق في الفراغ تستعيد تفاصيل الرحلة الممر الأبيض يد مروان على كتفها والجملة التي سقطت كحكم نهائي وجودك يسبب التوتر.
لم تبك تلك الليلة. أعدت كوب شاي ووضعت الحقيبة