اكتشفت زوجي زيف السرطان بعد أن فقدت كل شيء من أجله

لمحة نيوز

حلقت شعري لأن زوجي أخبرني أنه مصاب بالسرطان.
لم يكن القرار لحظة اندفاع بل كان طقسا صامتا لمواجهة الخوف. وقفت أمام المرآة أتابع انعكاس وجهي بينما تنزلق خصلات شعري واحدة تلو الأخرى كأنني أخلع عن نفسي علامة من علامات الحياة القديمة. لم أبك لأن رأسي صار أملس ولا لأن ملامحي بدت غريبة علي بل لأن فكرة فقدانه كانت تقضم صدري ببطء كحيوان لا يرى.
حين أخبرني أوبينا بمرضه لم يرفع صوته لم ينكسر ولم يلجأ إلى الدراما. كان هادئا على نحو غير إنساني ذلك الهدوء الذي يجعل المصيبة تبدو أكبر من قدرتك على الاحتمال. جلس أمامي ووضع بين يدي أوراقا طبية تحمل أختاما أجنبية وكلمات ثقيلة لا تفهم وقال إن المرض في مرحلة متقدمة وإن الزمن لم يعد حليفا كريما. ستة أشهر ربما أقل إن لم نجد المال اللازم للجراحة والعلاج خارج البلاد حيث تباع الفرص الأخيرة بثمن أقل من الموت.
خمسة عشر مليون نايرا.
رقم لم يكن مجرد مبلغ بل حائطا سميكا وقف بين الحياة والفقد.
كنت أملك مشروع تموين صغيرا بنيته من لا شيء. لم أكن سيدة أعمال مشهورة ولا امرأة مدللة بل امرأة تعرف معنى التعب تعرف حرارة المواقد ورائحة البصل

المقلي قبل الفجر وتعرف كيف تتحول الصلوات إلى عرق فوق الجبين. ثلاث شاحنات توصيل مستعملة لكنها أمينة ومتجر متواضع في سوروليري تسبقه رائحة التوابل ويتبعه حلم بالاستقرار.
في اليوم التالي لاعترافه حلقت شعري.
لم يطلب ذلك ولم ألمح له حتى لكنني أردت أن يرى في مرآته أن يشعر أننا في المعركة نفسها وأن المرض لن يقف بيننا كحاجز نفسي. حين لامست آلة الحلاقة فروة رأسي شعرت كأنني أنزع درعا لا شعرا ومع ذلك ابتسمت. ابتسمت له لا لنفسي.
بكى عندما رآني. كشيء ثمين مهدد بالكسر وقال كلمات جعلتني أؤمن أن الحب قادر على تعويض الخسارة. سماني صلاته المستجابة وملاذه وقوته حين يضعف الجسد.
وبدأت أبيع حياتي قطعة قطعة.
خرجت أول شاحنة من أسطول مشروعي ثم الثانية ثم الثالثة. كنت أراقبها وهي تغادر كأنها أطفال يخرجون من البيت بلا عودة. أجرت المتجر وسلمت مفاتيحه بيد مرتجفة متظاهرة بأن الأمر مؤقت وأنني سأعود. بعت حلي الذهبية تلك التي ادخرتها لأفراح لم تأت بعد ولمناسبات كنت أظنها الأهم.
وحين لم يكف ذلك ذهبت إلى اجتماع العائلة في القرية. جلست أمام وجوه تعرفني منذ الطفولة وتوسلت لا بالكلام وحده بل
بكل ما تبقى لي من كرامة. وضعت بيت والدي القديم ضمانا لقرض لم أكن أعرف كيف سأرده لكنني كنت أعرف شيئا واحدا فقط أن فقدان المنزل أهون من دفن زوجي.
صرخوا في وجهي.
قالوا إن الحب لا يجب أن يكون بهذا القدر من التدمير وإن التضحية لها حدود. استمعت إليهم بهدوء لم أعرف مصدره وقلت إن البيوت تبنى من جديد أما الأرواح فلا.
أسابيع طويلة من العمل بلا نوم من البكاء في الخفاء من الاقتراض وبيع أجزاء من نفسي لم أكن أعلم أنها قابلة للبيع. وفي النهاية كان المال هناك. خمسة عشر مليون نايرا ثقيلة في الحقيبة وأثقل في القلب. أوراق نقدية مشبعة بالخوف وبالأمل وبحب يائس لا يعرف الحساب.
سلمتها له.
ارتجفت يداي وبكى هو. قال إنني أنقذت حياته وإنه مدين لي بما تبقى من عمره وإن اسمي سيظل على شفتيه كدعاء لا يسقط.
سافر للعلاج مع أخيه وبقيت أنا مع الأطفال والديون والفراغ. ثلاثة أشهر من مكالمات فيديو منتقاة بعناية يظهر فيها ضعيفا أحيانا تختفي الأنابيب الطبية من الإطار أحيانا أخرى. كنت أصوم وأدعو حتى آلمتني ركبتاي وحتى صار رأسي يدور من قلة الطعام وكثرة الرجاء.
نحفت.
قال الجيران إنني أبدو مريضة
وكان قلقهم جرحا آخر.
ثم صمتت المكالمات.
أقنعت نفسي أن المستشفيات قاسية وأن الشبكات تخون وأن الأمل يمكن أن يمدد يوما إضافيا. أسبوع ثم أسبوعان ثم بدأ الخوف يتخذ شكلا ماديا داخل صدري. اتصلت بأخيه فلم يجب. اتصلت بالمستشفى وردوا بصوت بارد لا يوجد مريض بهذا الاسم.
جلست على الأرض.
ضحكت وبكيت في الوقت نفسه وعقلي يتشقق ببطء كزجاج يتعرض لضغط غير مرئي.
وفي أحد الأيام بينما كنت أسير بلا هدف رأسي مكشوف وخطواتي خفيفة كأنني فقدت الوزن واليقين معا توقفت بجانبي سيارة سوداء لامعة. عادت للخلف ببطء وصرخ شيء داخلي قبل أن أرى.
كان هو.
حيا.
ممتلئ الوجه.
لامع الثقة.
وهنا بدأ كل شيء ينكسر فعلا.
لم أصرخ.
حتى الصدمة حين تكون كاملة تنهك الصوت قبل أن يصل إلى الحنجرة. وقفت في مكاني أحدق في المشهد كمن ينظر إلى خطأ مطبعي في حياته لا يعرف من أين يبدأ تصحيحه. السيارة السوداء لمعانها الفج جلده الصحي نظرته المستقرة كل شيء فيه كان ينفي المرض الذي بنيت عليه خراب عمري.
بجانبه جلست امرأة لم تحتج إلى تعريف. كانت ملامحها هادئة مرتبة يدها مستقرة على بطن بارز يعلن حمله بثقة لا تعرف الخجل. صورة مكتملة
لعائلة جديدة مكتوبة بخط واضح
تم نسخ الرابط