حين صار الطفل عهدًا

لمحة نيوز

بعد موت زوجها اجبرت علي التنازل عن ارضها فلم تجد غير البدوي الوسيم الذي انقذ شقيقها ذات مره لتساومه رافضه للعادات..
اديك أرضي كلهالو خلفت منك طفل 
جملة كسرت العرف..وغيرت مصير امرأة..ورجل..وطفل لم يكن صفقة أبدا.
لم تكن تلك الجملة قد خرجت من فمها بسهولة...بل كأنها انتزعت من صدرها انتزاعا.
وقفت بثبات ظاهري أمامه...بينما كانت يداها ترتجفان داخل عباءتها السوداء. الشمس كانت تميل نحو الغروب...تصبغ الرمال بلون نحاسي حاد...والريح الصحراوية تمر بينهما كأنها شاهدة على صفقة لا يشبهها شيء.
سلمى لم تكن امرأة ضعيفة...لكن الفقد علمها كيف ينكسر الأقوياء في صمت. منذ شهر فقط...كانت زوجة رجل يملك اسمه ووجوده...واليوم صارت أرملة كلمة كافية لتسقط عنها الحماية...وتفتح شهية الرجال والعرف والأطماع.
الأرض..تلك القطعة الممتدة عند طرف الواحة...لم تكن مجرد تراب. كانت ميراث أبيها...ووصيته الأخيرة...وآخر ما يربطها بنفسها قبل أن تسحق تحت أقدام الشيوخ.
راشد وقف قبالتها بلا استعجال. طويل...عريض الكتفين...عيناه سوداوان قاسيتان كالصحراء التي ربته. رجل لا ينتمي لشيخ...ولا يخضع لعرف...ولا يطلب رضا أحد. سمع عرضها كاملا...دون أن يرمش...لكن فكه شد قليلا...وهي علامة لم يلاحظها سواها.
قال ببطء
فاكرة نفسك بتساوميني على ناقة..ولا على نفسي
رفعت ذقنها...رغم الخوف الذي حاول خنقها.
أنا مش جاية أبيع نفسي...ولا أشتريك. أنا بعرض حل.
ثم أضافت...وصوتها أخفض
الأرض هتتسلب مني غصب. الطفل بس هو اللي هيخليهم يسكتوا.
ضحك راشد ضحكة قصيرة...بلا مرح.
والطفل ده..هيبقى ابن مين في الحكاية
ترددت لثانية...ثم نظرت

في عينيه مباشرة.
ابنك. باسمك. ودمك.
وسكتت...قبل أن تهمس
وأنا ماليش غير كده.
مر شبح ذكرى في رأسه ذلك اليوم الذي وجد فيه شقيقها ينزف بين الرمال...مطاردا بثأر لا يخصه. أنقذه بلا مقابل...ولم يطلب شكرا. لم يكن من عادته أن يتورط في حيوات الآخرين..لكن هذه المرأة وقفت الآن...تجر كرامتها خلفها...وتعرض عليه ما لم يعرضه أحد.
انتي عارفة بتطلبي إيه قالها بنبرة حادة.
أيوه. وعارفة إني مش هطلبه من حد غيرك.
الصمت طال. الشمس غابت نصفها...والبرد بدأ يتسلل.
قال أخيرا...بصوت منخفض
أنا راجل ما بعرفش يعيش مربوط.
اقترب خطوة...حتى صار صوته يصلها كأنفاس.
ولو وافقت..الصفقة دي هتغيرك قبل ما تغيرني.
لم تتراجع.
أنا اتغيرت خلاص...يوم ما مات جوزي...ويوم ما قرروا ياخدوا أرضي.
نظر إليها طويلا...ثم استدار نصف استدارة...كأنه يفكر في الهروب..لكنه توقف.
هفكر...قالها ببرود.
ثم أضاف...دون أن ينظر إليها
بس اعرفي حاجة يا سلمى
لو دخلت نار الصحرا...ما فيش رجوع.
وهي كانت تعرف.
لكنها لم تعد تملك رفاهية الخوف.
لم يعد العرض فكرة عابرة بعد تلك الليلة.
في الصباح التالي...وصلت سلمى إلى مضارب راشد...لا تحمل معها سوى حقيبة صغيرة...وعينين لم تناما. كان القرار قد اتخذ...حتى قبل أن ينطق به.
راشد لم يفاجأ بقدومها...لكنه لم يظهر ترحيبا أيضا. أشار لها بالجلوس قرب النار...وألقى لها ماء دون كلمة. الصمت بينهما كان أثقل من أي حوار...كأن كليهما يحاول أن يثبت للآخر أنه غير متأثر.
وافقت...قالها فجأة...دون مقدمات.
رفعت رأسها ببطء.
بشرط.
توقعت الشرط...بل انتظرته.
قولي.
مفيش جواز قدام الناس.
ولا وعود كدابة.
ولا حق ليك تطلبي
مني حاجة غير اللي اتفقنا عليه.
تألم صدرها قليلا...لكنها تماسكت.
وأنا سألت.
إنت حرة..بس فاكرة نفسك داخلة حياة عادية
ثم نظر إليها نظرة فاحصة.
انتي دلوقتي جزء من نار.
أومأت.
النار أرحم من الذل.
منذ ذلك اليوم...صارت سلمى تعيش في طرف المخيم...لا زوجة...ولا غريبة. العيون تلاحقها...والهمسات لا تتوقف. بعض النساء نظرن لها بشفقة...وأخريات باحتقار. كانت تعرف أن سمعتها تذبح ببطء...لكنها لم تتراجع.
راشد كان يتجنبها أحيانا...ويقترب منها أحيانا أخرى...بلا نمط واضح. كان قاسيا في كلامه...مقتصدا في نظره...كأنه يخشى أن يرى فيها أكثر مما يجب.
لكن الليل كان يفضحه.
في الليلة الأولى التي جمعتهما...لم يكن الأمر شغفا ولا حبا. كان صراعا.
يداه قويتان...لكنها لم تشعر بالقهر. كان حذرا...كأنه يمشي فوق حد سكين. وعندما انتهى كل شيء...ابتعد فورا...دون كلمة.
ظلت مستيقظة...تنظر إلى سقف الخيمة...تشعر بفراغ غريب..ليس ندما...ولا راحة. فقط وعي حاد بأنها دخلت طريقا بلا عودة.
الأيام مرت ببطء.
بدأت تتعلم حياة الصحراء كيف تصبر...كيف تصمت...وكيف تقرأ الوجوه. بدأت تلاحظ تفاصيل راشد
كيف يغضب من الظلم
كيف يلين مع الأطفال
وكيف ينكسر صوته حين يذكر والده.
في أحد الأيام...عاد مصابا. جرح في كتفه...دم جاف.
لم ينتظر أن تطلب...جلست تنظف الجرح.
ما قلتليش
ما تعودتش أشتكي.
رفعت عينيها إليه.
وأنا مش متعودة أكون حمل على حد.
سكت.
ثم قال فجأة
لو الحمل جه
توقفت يدها.
لو جه...هتكملي
لم تجبه فورا.
أنا داخلة الصفقة دي علشان الطفل.
ثم أضافت بصوت أصدق مما توقعت
بس ما كنتش أعرف إنها هتوجع كده.
نظر إليها طويلا...لأول مرة
دون دروع.
الوجع..دايما بييجي قبل الحقيقة.
في تلك اللحظة...أدرك كلاهما أن الصفقة بدأت تتغير.
وأن الخطر لم يعد في كلام الناس
بل في القلب.
لم يعد وجود سلمى في المخيم أمرا عابرا.
الهمسات تحولت إلى نظرات...والنظرات إلى مواقف...والمواقف إلى تهديدات صريحة. الأرض التي ظنت أن الصفقة ستحميها...صارت سببا إضافيا للعداء. الشيوخ لم ينسوا...ولم يسكتوا...فقط كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة.
جاءها الخبر على لسان شقيقها يونس...الذي حضر خلسة مع قافلة. كان وجهه شاحبا...وعيناه تفضحان خوفا لم يعترف به.
عايزين يعقدوا مجلس...قالها وهو يتلفت.
مجلس على إيه
على أرضك..وعلى اللي انتي فيه.
لم تسأله أكثر. كانت تعرف.
المجلس يعني تحقيقا...والتحقيق يعني فضيحة...والفضيحة تعني ضياع كل شيء إن لم يكن هناك دليل لا يجادل.
في تلك الليلة...شعرت سلمى بالتعب لأول مرة. ليس تعب الجسد...بل ثقل غريب في الروح. جلست قرب النار...تحاول تجاهل الغثيان الذي داهمها منذ الصباح.
لاحظ راشد شحوبها.
مالك
مفيش.
لكنه لم يقتنع. اقترب...جلس قبالتها...وحدق في وجهها طويلا.
في حاجة مستخبية.
ترددت...ثم قالت بصوت منخفض
يمكن..يمكن أكون حامل.
تجمدت ملامحه.
لم يفرح. لم يغضب. فقط ساد صمت قاس.
يمكن
لسه بدري.
نهض فجأة...وابتعد خطوات...كأنه يحاول استيعاب فكرة لم يستعد لها.
لو طلع الكلام ده صح
استدار إليها.
المجلس مش هيقدر يقربلك.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
يعني الصفقة نجحت
نظر إليها نظرة حادة.
لا. الصفقة خلصت.
ثم أضاف بصوت أخفض
بس المشكلة إن اللي بدأ بعدها..ما اتفقناش عليه.
في الأيام التالية...بدأ التوتر يظهر بينهما بوضوح. راشد صار أكثر
حماية...وأكثر عصبية. يمنعها من الخروج وحدها...يراقب من يقترب منها...ويتشاجر مع رجاله لأسباب تافهة.
أما هي...فبدأت
تم نسخ الرابط