حين صار الطفل عهدًا
تشعر بأن وجوده لم يعد مجرد درع..بل عبء عاطفي لا تعرف كيف تحمله.
جاء يوم المجلس.
نصبت الخيام الكبيرة...واجتمع الرجال. وقفت سلمى خلف ستار رقيق...تسمع الكلمات تقال عنها كأنها غائبة.
أرملة بلا ولي.
أرض بلا صاحب.
عرف مكسور.
تقدم راشد إلى الوسط...صوته ثابت...لكن عينيه تشتعلان.
الأرض دي لها صاحب.
والست دي في حمايتي.
ضحك أحد الشيوخ بسخرية.
بالحماية ولا بالنسب
ساد صمت ثقيل.
خرجت سلمى من خلف الستار...ووضعت يدها على بطنها...في حركة بسيطة لكنها صاعقة.
بالنسب...قالتها بثبات.
الهمهمة علت.
الأنظار تثبتت عليها.
راشد استدار نحوها...مذهولا. لم تخبره أنها ستفعلها هكذا..أمام الجميع.
انتهى المجلس بلا قرار واضح...لكن الرسالة وصلت لا أحد سيجرؤ الآن.
في الليل...واجهها راشد.
ليه عملتي كده
لأنهم كانوا هيدوسوا عليك وعلى.
بس انتي ربطتيني قدامهم.
اقتربت منه.
وأنا عمري ما طلبت منك تفضل.
ثم همست
بس لو هتمشي..امشي وإنت عارف إن في حد هنا اختارك...مش الأرض.
نظر إليها طويلا.
البدوي الجامح...الذي هرب عمره كله من القيود...وجد نفسه محاصرا بشيء أخطر من العرف
وجد نفسه محاصرا بالمعنى.
وفي تلك الليلة...لم يبتعد عنها.
لكن قلبه كان على وشك أن ينهار.
لم يطلع الصبح عادي في الصحراء.
كان ساكن زيادة عن اللزوم...كأن الرمال نفسها مستنية قرارا يتقال.
سلمى صحيت قبل الجميع. الغثيان رجع أقوى...لكن المرة دي ما خافتش. وضعت يدها على بطنها...وهمست لنفسها
حتى لو طلع وهم..أنا عمري ما كنت وهم.
راشد كان واقف بعيد عند أطراف المخيم...يجهز حصانه. لم ينم. القرار كان تقيل...وكل الطرق قدامه كانت خساير بشكل أو بآخر. يعرف إن الشيوخ مش هيسيبوا الموضوع يقفل كده. يعرف كمان إن وجوده جنبها هيجر دم...وحروب...
اقتربت منه بهدوء.
ناوي تمشي
لم ينكر.
وجودي هنا هيأذيك أكتر ما يحميك.
وجودك اللي أنقذني.
تنهد...وبص بعيد.
انتي كنت صفقة.
وأنا بقيت إيه دلوقتي سألته بهدوء قاتل.
سكت.
لأول مرة ما عرفش يهرب بالكلام.
قبل ما يرد...وصل رسول من طرف الشيوخ. الرسالة كانت واضحة
الأرض ستعاد لها رسميا..بشرط.
أن ينفى راشد من المنطقة كلها.
لا دم. لا فضيحة. لا صراع.
شقيقها كان أول من وافق.
المهم الأرض والطفل.
نظر إليها برجاء.
دا حل نظيف.
نظيف
ضحكت بمرارة.
العالم دايما بيطلب من الستات تختار الحل النضيف...حتى لو وسخ روحها.
راشد سمع كل شيء...ولم يعترض.
اقترب منها...وصوته هادي بشكل يخوف.
وافقي.
ليه
علشان انتي تستاهلي تعيشي مش تحاربي طول عمرك.
هزت رأسها.
وإنت
ابتسم ابتسامة صغيرة موجوعة.
أنا اتولدت محارب.
في المساء...اجتمع الجميع.
الورق اتوقع.
الأرض عادت باسم سلمى.
واسم راشد محي من المكان.
قبل الرحيل...أعطاها صك الأرض.
قال وهو يناولها إياه
الصفقة خلصت.
نظرت إليه...ثم مزقت الورقة أمامه...قطعة قطعة.
شهقة خرجت من الجميع.
الأرض عمرها ما كانت تمنك.
ثم وضعت يده على بطنها.
ولا الطفل صفقة.
تجمد.
انتي بتعملي إيه
بختار...قالتها بثبات.
يا أرض بلا روح
يا راجل اختارني رغم إنه يقدر يمشي.
خطت خطوة للأمام.
لو مشيت...امشي وإنت عارف إن في ست هنا خلتك اختيار...مش هروب.
مد يده...توقف...ثم أنزلها.
وأنا عمري ما اتملكت.
ابتسمت بعينين دامعتين.
وأنا عمري ما بعت نفسي.
رحل راشد قبل الغروب.
لم يلتفت.
مرت شهور.
سلمى احتفظت بالأرض...لكن باعت جزءا منها...ووزعت الباقي على عائلات محتاجة.
وعندما ولد الطفل
كان ذكرا.
سمته آدم.
لا باسم قبيلة...ولا عرف.
وفي صباح بعيد...عند طرف الواحة...وقف راشد ينظر من
لم يقترب.
اكتفى بأن يبتسم.
بعض القصص لا تنتهي بزواج.
لكنها تنتهي باحترام.
وذلك..كان حبا حقيقيا.