لم يسمع ابن الملياردير أيَّ صوت
المحتويات
تحت قدميها.
كنت أطمئن عليه فقط سيدي.
حدق فيها طويلا.
ثم قال
لماذا
ترددت.
كلمة واحدة قد تدمر كل شيء.
لكنها رفعت رأسها أخيرا وقالت بصوت ثابت على غير عادتها
لأن ابنك لا يعاني من الصمم كما تعتقد.
ساد الصمت.
لم يصرخ.
لم يغضب.
ابتسم سيباستيان ابتسامة باردة.
سمعت هذا الكلام من أفضل الأطباء في العالم قال.
فما الذي تعرفه خادمة مثلك لا يعرفونه هم
ابتلعت مارينا ريقها ثم قالت الجملة التي ستغير كل شيء
لأن هناك شيئا داخل أذنه لا ينتمي لجسده.
تغير وجه سيباستيان.
لأول مرة منذ سنوات رأته مارينا يفقد توازنه.
في تلك اللحظة لم يكن أي منهما يعلم أن ما اكتشف ليس مجرد شريحة
بل مفتاح سر أكبر
سر يبدأ من داخل العائلة نفسها
وينتهي عند اسم لم يكن يجب أن ينطق أبدا.
يتبع
لم ينطق سيباستيان بكلمة لثوان طويلة بعد جملة مارينا الأخيرة.
وقف خلف مكتبه الزجاجي وراح يحدق في الحديقة الممتدة أمامه وكأن عقله يحاول الهروب من فكرة لم يكن مستعدا لها.
شيء داخل أذن ابنه
شيء مزروع
استدار ببطء.
كانت ملامحه قد تغيرت. لم يعد ذلك الرجل المتعالي الذي اعتاد الجميع رؤيته بل أب مشدود الأعصاب تائه تتصارع داخله الشكوك مع الخوف.
قال أخيرا بصوت منخفض لكنه حاد
أعيدي ما قلته.
أعادته مارينا.
كلمة كلمة.
دون مبالغة. دون اتهام.
لم تقطع عينيها عنه وهي تشرح ما رأته وكيف بدا الجسم ولماذا لم يكن طبيعيا ولماذا تأكدت أنه ليس جهازا
حين انتهت ساد الصمت مجددا.
ثم قال سيباستيان
لو كان هذا صحيحا فمعنى ذلك أن كل الأطباء أخطأوا.
هزت رأسها.
أو لم يسمح لهم أن يروا الحقيقة.
تصلبت ملامحه.
ضغط زرا صغيرا على مكتبه.
دخل الحارس الشخصي فورا.
اتصل بالدكتور ريتشارد بلاك. الآن.
كان ريتشارد بلاك اسما يعرفه كل الوسط الطبي.
جراح أعصاب مرموق صديق قديم لسيباستيان ومن القلائل الذين لم يقبلوا المال مقابل المجاملة.
بعد ساعة واحدة فقط كان الطبيب يقف في غرفة الفحص الخاصة بلوسيان ومعه معدات دقيقة لم تستخدم من قبل.
كانت مارينا تقف عند الباب قلبها يخفق بقوة.
لم يكن مسموحا لها بالبقاء لكنها لم تطرد.
وكأن سيباستيان للمرة الأولى لم يعد يراها مجرد خادمة.
بدأ الفحص.
دقائق مرت
ثم عشر
ثم نصف ساعة.
وأخيرا رفع الدكتور بلاك رأسه ببطء.
سيباستيان
توقف ثم أكمل بصوت خافت
هناك جسم معدني دقيق مزروع في عمق القناة السمعية. ليس عشوائيا. بل مزروع باحتراف.
شعر سيباستيان بأن الهواء انسحب من رئتيه.
هل هل هو السبب سأل.
أجاب الطبيب
نعم. هذا الجهاز يعطل انتقال الذبذبات العصبية. بمعنى آخر ابنك لم يكن أصما. لقد جعل أصما.
انفجرت الحقيقة أخيرا.
جلس سيباستيان على الكرسي القريب ووضع رأسه بين يديه.
ثماني سنوات.
ثماني سنوات من الألم والندم والعجز كانت كلها مبنية على كذبة.
لكن السؤال الأخطر لم يكن كيف
بل من
استغرقت إزالة الجهاز ساعتين كاملتين.
كانت
أي حركة خاطئة قد تدمر العصب السمعي نهائيا.
مارينا جلست خارج الغرفة أصابعها متشابكة تتمتم بدعاء لم تحفظه جيدا لكنها شعرت به يخرج من قلبها.
وحين فتح الباب أخيرا خرج الطبيب بابتسامة متعبة.
تمت العملية بنجاح.
لم يبك سيباستيان.
لم يصرخ.
فقط أغمض عينيه كمن استعاد جزءا من روحه.
لكن الطبيب أكمل
هناك أمر آخر.
تصلب الجو.
هذا الجهاز ليس طبيا فقط. إنه يحتوي على وحدة تسجيل صغيرة. كان يلتقط كل شيء.
كل شيء
كررها سيباستيان بذهول.
كل ما يقال قرب الطفل. كل ما يحدث حوله.
اتسعت عينا سيباستيان.
لم يكن الصمت وحده هو الهدف.
كان هناك من يراقب.
بعد ساعات استيقظ لوسيان.
كانت مارينا بجواره تمسك يده تبتسم رغم الدموع.
فتح الصبي عينيه ببطء.
نظر حوله مرتبكا.
ثم
ارتجف.
شهقة خافتة خرجت من صدره.
ليست صوتا بل بداية صوت.
رفع رأسه فجأة وحدق في مارينا.
شفته السفلى ارتعشت.
ثم قال
بصوت متكسر ضعيف لكنه حقيقي
ما ري نا
انهارت مارينا باكية.
دخل سيباستيان الغرفة في تلك اللحظة وسمعها.
سمع أول كلمة نطقها ابنه في حياته.
ركع أمام السرير أمسك وجه لوسيان بين يديه وهمس بصوت مخنوق
أنا هنا أنا هنا.
لكن فرحته لم تكتمل.
في تلك الليلة نفسها جلس مع الدكتور بلاك أمام تسجيلات الجهاز.
أصوات.
حوارات.
أسماء.
واسم واحد تكرر أكثر من غيره.
اسم زوجته الراحلة.
عندها فقط أدرك سيباستيان الحقيقة التي لم يكن
أن من زرع الجهاز
لم يكن غريبا.
بل شخصا من داخل العائلة.
وأن موت زوجته
لم يكن مجرد قدر.
لم ينم سيباستيان تلك الليلة.
جلس وحده في مكتبه أمام شاشة كبيرة تعرض عليها التسجيلات التي استخرجت من داخل الجهاز. أصوات متقطعة همسات خطوات ثم صوت أنثوي مألوف واضح لا يخطئه قلب.
زوجته.
كانت تتحدث بهدوء لكن نبرتها تحمل توترا لم يلاحظه وقتها.
كانت تقول
هذا ليس ما اتفقنا عليه الطفل ليس جزءا من الصفقة.
توقفت التسجيلات عند تلك الجملة.
شعر سيباستيان بأن قلبه يهبط إلى قاع صدره.
صفقة
أي صفقة يمكن أن تتعلق بطفل
طلب تقرير الوفاة القديم.
ثم التقارير الطبية.
ثم سجلات الدخول إلى القصر في الأشهر الأولى بعد الولادة.
كل شيء بدأ يتضح بشكل مرعب.
زوجته لم تمت بسبب مضاعفات الولادة كما قيل له.
بل بسبب نزيف داخلي غير مفسر تلاه تأخير متعمد في التدخل.
والطبيب الذي وقع التقرير
اختفى بعد شهرين من الحادثة.
لكن الاسم الذي ظهر في كل ملف
كان واحدا.
شقيقه الأكبر.
الرجل الذي كان يدير جزءا من الاستثمارات.
الذي كان دائم التردد على القصر.
الذي اقترح بنفسه أفضل الأطباء الذين أكدوا صمم الطفل.
فهم سيباستيان أخيرا.
لوسيان لم يكن مريضا.
كان شاهدا.
طفل سمع في أيامه الأولى ما لم يكن يجب أن يسمع.
محادثات.
اتفاقات.
أسرار مالية قذرة.
وكان الحل الأبسط
إسكاته.
في الصباح دخل سيباستيان غرفة ابنه.
كان لوسيان مستيقظا يجلس
كان يبتسم ابتسامة كاملة غير مشوهة بالصمت.
جلس الأب بجواره.
قال
متابعة القراءة