دفنت طفل المليونير حيًّا… لكن عاملة النظافة فعلت المستحيل

لمحة نيوز

لم يكن الليل هادئًا تلك الليلة، رغم أن كل شيء بدا ساكنًا.
في أطراف برشلونة، عند مبنى صناعي مهجور لا يلتفت إليه أحد، توقفت سيارة سوداء فجأة، وبقي محركها يعمل لثوانٍ أطول من اللازم، كأن السائق يتردد قبل خطوة لا عودة منها. نزلت امرأة وحدها، التف معطفها حول جسدها، وسحبت صندوقًا خشبيًا صغيرًا من الصندوق الخلفي للسيارة.
في الداخل، كان هناك صوت.
أنين خافت… بالكاد يُسمع.
رفعت المرأة المجرفة وبدأت الحفر. كل ضربة في الأرض كانت تهبط كأنها تضرب داخلها لا في التراب. وحين وُضع الصندوق أخيرًا في الحفرة، لم تتوقف يدها. لم تتردد. كانت تعرف أن التردد أخطر من الفعل نفسه.
أُغلق الغطاء.
وجاء البكاء.
بكاء طفل لا يفهم لماذا اختفى الضوء فجأة، ولا لماذا صارت الدنيا أضيق من صدره الصغير. ارتجفت يد المرأة للحظة واحدة فقط، ثم ألقت التراب بسرعة، مجرفة بعد أخرى، كأنها تهرب من الصوت لا تطمره.
ضعف البكاء…
ثم خفت…
ثم صمت.
عند الساعة الحادية عشرة وسبعٍ وأربعين دقيقة ليلًا، بدا أن كل شيء انتهى.
أو هكذا ظنّت.
قبل ذلك بثلاثة أيام، كان قصر آل فيلاثكيث عالمًا مختلفًا تمامًا. عالمًا يلمع تحت شمس البحر المتوسط، فخمًا وباردًا، كمرآة صقيلة تعكس الثراء أكثر مما تعكس الحياة. رخام أبيض، نوافذ شاهقة، صمت أنيق لا يكسره إلا وقع خطوات الخدم.
في الطابق الثالث، كانت ياسمين سولورثانو تنظف النوافذ بعناية. كانت يداها السمراء تتحركان بخفة اعتادت العمل منذ الطفولة. جاءت من هندوراس قبل عامين، في الثامنة والعشرين من عمرها، بشعر أسود طويل، وعينين بلون العسل، وقلب لم يتعلم القسوة رغم كل ما رآه.
لم تكن تحلم بالقصر ولا بما يحويه. كانت تحلم فقط بالاستقرار… وبأن يمر يوم دون خوف.
من الممر، وصلها صوت

ضحكة.
ضحكة طفلية، صافية، كأنها خرجت من عالم آخر. التفتت ياسمين دون وعي، فرأت داميان، ابن الحادية عشرة شهرًا، يزحف فوق الرخام اللامع، يلاحق كرة زرقاء أكبر من يده. ضحكته البلورية ملأت المكان، فابتسمت ياسمين، وشعرت بشيء دافئ يتحرك في صدرها.
كان داميان نورها الوحيد في هذا القصر، والسبب الذي يجعلها تتحمل وجود كاتالينا مونسرات… زوجة الأب الجديدة.
ظهرت كاتالينا عند مدخل الممر، أنيقة كعادتها، ترتدي فستانًا أسود من تصميم فاخر، شعرها مصفف بدقة، وبشرتها شاحبة تخفي خلفها جمالًا باردًا لا يبعث على الطمأنينة. في الثانية والثلاثين من عمرها، بعينين خضراوين تراقبان كل شيء وكأنهما تبحثان عن تهديد دائم.
قالت بصوت حاد:
لم تنتهي بعد من التنظيف يا ياسمين؟
رفعت ياسمين رأسها بهدوء.
أوشكت يا سيدتي، بضع دقائق فقط.
اقتربت كاتالينا من داميان، وانحنت لتحمله. ما إن لمسته حتى انفجر الطفل في بكاء حاد، ومد ذراعيه الصغيرتين نحو ياسمين. تصلب وجه كاتالينا، ولمع في عينيها وميض غاضب.
قالت ببرود:
خذيه إلى غرفته. سئمت نوبات غضبه.
حملت ياسمين الطفل، فهدأ فورًا، كأن قلبه الصغير وجد ملاذه. همست له:
لا تخف يا صغيري… أنا هنا.
في تلك الليلة، عاد دون أوغستو فيلاثكيث من مدريد. رجل في الخامسة والخمسين، شعره أشيب، ملامحه مهيبة، يرتدي بدلة إيطالية باهظة. بنى إمبراطورية مالية تجاوزت المئة مليون يورو، لكن وفاة زوجته الأولى، إلينا، تركت داخله فراغًا لم يملأه شيء.
استقبلته كاتالينا بكأس نبيذ وابتسامة متقنة.
اشتقت إليك، كيف كانت مدريد؟
جلس أوغستو على الأريكة الجلدية، منهكًا.
مرهقة.
ثم سأل:
أين داميان؟
نائم، قالتها بسرعة.
لم يلاحظ أوغستو التوتر. لم يرَ الظل الذي بدأ يتمدد داخل بيته.
في وقت
متأخر من الليل، خرجت ياسمين من القبو لتشرب ماءً. مرّت قرب مكتب أوغستو، وتوقفت فجأة. لم تكن تقصد التجسس، لكن صوت كاتالينا اخترق المكان وجمّد دمها.
هذا الطفل سيرث كل شيء، يا أوغستو… كل شيء!
تسلل برد حاد إلى صدر ياسمين.
وهل تزوجتني لأبقى بلا شيء؟ خمسة ملايين لي، ومئة مليون له؟
قال أوغستو بلهجة حازمة:
داميان ابني. ولن أغير وصية إلينا.
سمعت ياسمين صوت ارتطام قوي، شيء تحطم. ابتعدت مسرعة، وقلبها يخفق. كان هناك شيء غير طبيعي… شيء خطير.
في اليوم التالي، زار رودريغو فيلاثكيث القصر. طبيب شاب، عيناه زرقاوان تشبهان عيني أمه الراحلة. كان يعامل ياسمين باحترام دائم.
تبدين قلقة، قال لها.
ترددت، ثم قالت بصوت خافت:
سمعت زوجة أبيك الليلة الماضية… كانت غاضبة جدًا بسبب الوصية.
تغير وجه رودريغو.
كنت أعلم.
حاول التحدث مع والده، لكن أوغستو لم يسمع. كان الزواج قد ملأ فراغه مؤقتًا، فأغلق عينيه عن الخطر.
وفي تلك الليلة… وُضعت الخطة.
تناول أوغستو حبته المنومة. خرجت ياسمين إلى الصيدلية. كل شيء صار جاهزًا.
دخلت كاتالينا غرفة داميان. كان نائمًا، هادئًا، بريئًا. ترددت لحظة، ثم اختفى التردد. الطمع كان أقوى.
حملته ملفوفًا في بطانية. بالكاد تحرك. كان مخدرًا.
نزلت الدرج، وخرجت من الباب الخلفي.
السيارة السوداء شقت الظلام.
أربعون دقيقة… منطقة مهجورة… حفرة… صندوق… يداها ترتجفان.
وضعت الطفل داخل الصندوق.
تحرك داميان.
صدر صوت خافت.
قالت ببرود:
آسفة… لكن مستقبلي أهم.
أغلقت الصندوق.
وبدأت تهيل التراب.
ثم جاء البكاء.
وعند الساعة الحادية عشرة وسبعٍ وأربعين دقيقة… صمت الصوت.
عند الثانية والنصف بعد منتصف الليل، وصلت ياسمين إلى القصر.
كانت الحافلة متأخرة، والشارع شبه خالٍ، والبرد يتسلل
إلى أطرافها رغم معطفها الخفيف. أدخلت المفتاح في الباب الجانبي، وما إن دخلت حتى استقبلها صمت غير مألوف؛ صمت لا يشبه هدوء النوم، بل فراغ ثقيل يضغط على الصدر.
توقفت لحظة في الردهة، وشعرت بانقباض مفاجئ، إحساس غامض لا تفسير له، لكنه شديد الوضوح. صعدت الدرج ببطء، وحين بلغت ممر غرف الأطفال، لاحظت أن باب غرفة داميان موارب.
لم يكن كذلك حين غادرت.
دفعت الباب بهدوء، وأشعلت الضوء.
السرير الصغير كان فارغًا.
البطانية مطوية بعناية مريبة.
لا لعبة على الأرض، ولا أثر لحركة، ولا صوت تنفّس خافت.
تجمدت ياسمين في مكانها، كأن عقلها يرفض استيعاب ما تراه عيناها. مرّت ثوانٍ ثقيلة، ثم انطلق صراخها فجأة، صراخًا خرج من أعماقها، ممزوجًا بالرعب واليأس.
دوّى الصوت في أرجاء القصر.
هبط أوغستو من غرفته مسرعًا، شعره أشعث وعيناه غارقتان في النعاس.
ما الذي يحدث؟
ظهرت كاتالينا عند طرف الممر، ترتدي روبًا حريريًا، شعرها غير مرتب على نحو محسوب.
ما الأمر؟ لماذا تصرخ؟
قالت ياسمين وهي تبكي:
داميان… ليس في سريره!
اندفع أوغستو إلى الغرفة، نظر حوله بعينين مذعورتين، فتح الخزانة، انحنى ليتفقد أسفل السرير، ثم توقف فجأة. شحب وجهه، وبدأ جسده يرتجف.
هذا… هذا مستحيل.
اقتربت كاتالينا، وضعت يدها على ذراعه بحنان مصطنع.
ربما خرج وحده؟ الأطفال أحيانًا…
قاطعها أوغستو بحدة لم يعتدها أحد:
لا! داميان لا يستطيع فتح الباب!
بدأ البحث المحموم في أرجاء القصر. الغرف، الحمامات، المخازن، الحديقة. كان القصر واسعًا، لكن الفراغ داخله صار خانقًا، كأن الجدران تراقبهم بصمت.
بعد ساعة من البحث العبثي، جلس أوغستو على الدرج، وأسند رأسه بين يديه.
سأبلغ الشرطة.
قالت كاتالينا بسرعة:
تمهّل. فكّر قليلًا. الصحافة، شركتك،
سمعتك… اتصل برودريغو أولًا.
كان صوتها ناعمًا، لكن ياسمين شعرت بشيء غير مريح. نظرت إليها. 

تم نسخ الرابط