دفنت طفل المليونير حيًّا… لكن عاملة النظافة فعلت المستحيل
كانت كاتالينا متماسكة على نحو غريب؛ لا ارتعاش في يديها، ولا ذهول حقيقي في عينيها.
رن الهاتف.
عند الثالثة صباحًا، رد رودريغو بصوت مثقل بالنوم:
أبي؟ هل حدث شيء؟
داميان… اختفى.
ساد صمت طويل، ثم جاء الصوت مشحونًا بالذعر:
أنا قادم حالًا.
وصل رودريغو بعد دقائق، شعره منكوش وملابسه غير مرتبة. ما إن دخل القصر حتى قال بحدة:
هل اتصلتم بالشرطة؟
ليس بعد، قالت كاتالينا.
نظر إليها نظرة حادة، ثم أخرج هاتفه واتصل فورًا بالطوارئ.
وصلت الشرطة عند الرابعة فجرًا. تقدم المفتش خافيير ميندوثا، ونائبته لوسيا راميريث، بملامح هادئة وعينين فاحصتين.
روى أوغستو ما حدث بصوت متكسر.
قال إنّه تناول حبته المنومة عند الحادية عشرة، ولم يسمع شيئًا بعدها.
سألت راميريث ياسمين:
متى خرجتِ إلى الصيدلية؟
قرابة الحادية عشرة والنصف. لدي الإيصال… الساعة الحادية عشرة واثنتان وأربعون دقيقة.
سأل ميندوثا كاتالينا:
هل بقيتِ في المنزل طوال الليل؟
نعم، قالت بثبات. تناولت حبة منومة أيضًا.
قال رودريغو:
راجعوا الكاميرات.
أظهرت التسجيلات خروج ياسمين وعودتها، وعدم دخول أي شخص غريب. لم تظهر سيارات غير مألوفة.
تمتم أوغستو:
هذا غير منطقي.
توجهت راميريث إلى المرآب.
ما السيارة التي تقودينها؟
مرسيدس سوداء، في المرآب.
دارت لوسيا حول السيارة، ولمست الإطارات.
الإطارات نظيفة أكثر مما ينبغي.
سأل ميندوثا:
متى استخدمتها آخر مرة؟
قبل ثلاثة أيام للتسوق.
تبادلت لوسيا وميندوثا نظرة سريعة. شيء ما لا يستقيم.
كانت ياسمين تراقب بصمت. حدسها كان يصرخ. تذكرت حين عادت تلك الليلة، وكيف شعرت بدفء
قالت بتردد:
سيدي المفتش… حين عدت، مررت بيدي قرب السيارة، وكان المحرك دافئًا.
أومأ ميندوثا.
شكرًا. لا تذكري هذا لأحد الآن.
مع بزوغ الفجر، بدأ الشك يتخذ شكلًا واضحًا.
أعادت راميريث استجواب كاتالينا:
تناول زوجك الحبة عند الحادية عشرة، وأنتِ عند الحادية عشرة وعشر دقائق. لماذا؟
انتهيت من تنظيف أسناني بعده.
هذه الحبوب تدوم ست إلى ثماني ساعات. كيف استيقظتِ بعد ثلاث فقط؟
ارتعشت كاتالينا، ثم تماسكت.
لا أدري.
ولماذا توجد تربة طازجة على نعل حذائك؟
سكتت.
كنت في الحديقة أمس.
كانت كذبة.
في مركز الشرطة، قال ميندوثا لرودريغو بصوت منخفض:
نظام تحديد المواقع في سيارة زوجة أبيك أظهر خروجها من القصر عند الحادية عشرة وثلاث وأربعين دقيقة.
تجمد الدم في عروق رودريغو.
إلى أين؟
منطقة صناعية مهجورة… وبقيت هناك سبعًا وأربعين دقيقة.
همس رودريغو:
لقد أخذت داميان.
قال المفتش:
سنشكل فريق بحث.
وهكذا… بدأت السباق مع الزمن.
مع شروق الشمس، كانت المنطقة الصناعية المهجورة أشبه بمدينة منسية.
مبانٍ خرسانية متآكلة، نوافذ مكسورة، وأسلاك صدئة تتدلّى كأطراف مبتورة. توقفت سيارات الشرطة عند المدخل، ونزل منها المفتش خافيير ميندوثا يتقدّم فريق البحث بخطوات حذرة، بينما كان رودريغو يقف خلف الشريط الأصفر، وجهه شاحب وعيناه متسمّرتين في الفراغ.
هنا توقفت السيارة، قالت لوسيا راميريث وهي تشير إلى شاشة جهازها اللوحي.
سبع وأربعون دقيقة… وقت طويل، تمتم ميندوثا.
بدأت الفرق تمشي بين المباني، كل صوت كان يتضخم في الصمت: خطوات، احتكاك أحذية بالحصى، أو صرير باب معدني
في أحد المستودعات القديمة، لاحظ أحد الضباط بابًا نصف مفتوح.
تقدّم ميندوثا، رفع يده إشارة للتوقف، ثم دفع الباب ببطء.
رائحة رطوبة وعفن ضربت الوجوه.
وفي الزاوية… بطانية أطفال.
اندفع رودريغو صارخًا:
داميان!
لكن لم يكن هناك أحد.
قالت لوسيا وهي تفحص المكان:
لا آثار مقاومة… الطفل لم يُجلب هنا بالقوة.
أغلق ميندوثا عينيه لحظة، ثم قال:
هذا ليس موقع احتجاز. هذا نقطة توقف فقط.
في تلك الأثناء، كانت كاتالينا في غرفة التحقيق، تجلس مستقيمة الظهر، يداها متشابكتان، وعيناها تحدّقان في الطاولة أمامها. حاولت أن تبدو هادئة، لكن رعشة خفيفة في ساقها كانت تفضحها.
لنُعيد الأمور من البداية، قال ميندوثا بنبرة هادئة.
لم أؤذِ الطفل، قالت بسرعة.
لم أقل إنك فعلتِ.
رفعت رأسها، فالتقت عيناه بعينيها مباشرة.
إلى أين ذهبتِ بتلك السيارة؟
قلتُ… لم أذهب إلى أي مكان.
السيارة ذهبت، قال بهدوء.
الأجهزة لا تكذب، كاتالينا.
ساد الصمت.
ثم فجأة… انهارت.
كنت خائفة! صاحت وهي تضرب الطاولة.
كنت أعلم أنه سيأخذه مني!
من؟
أوغستو… الجميع!
بكت بحرقة، ثم قالت:
داميان ليس ابنه.
ساد سكون ثقيل في الغرفة.
ماذا تعنين؟ سألت لوسيا.
أغمضت كاتالينا عينيها.
داميان ابن أخي.
مات أخي قبل سنوات، وترك طفلًا… طفلا من زوجته الفقيرة.
العائلة أرادت التخلص منه.
وأنا… أخذته. ربّيته. أحببته.
وأوغستو؟
لا يعلم. ظنّ أنه ابنه بعد زواجنا.
قال ميندوثا بصرامة:
هذا لا يبرر خطفك له.
صرخت:
لم أخطفه!
أخذته لأحميه!
أين هو الآن؟
ترددت، ثم همست:
في بيت ريفي… خارج
انطلقت الشرطة فورًا.
كان البيت الريفي صغيرًا، تحيط به أشجار كثيفة. اقتحم الضباط المكان بحذر، وفي الداخل، سُمع صوت بكاء خافت.
داميان، قال رودريغو وهو يركض نحوه.
كان الطفل جالسًا على سرير بسيط، وجهه شاحب وعيناه حمراوان من البكاء. ما إن رأى رودريغو حتى اندفع إليه، تشبث بقميصه وهو يجهش بالبكاء.
كنت خائفًا، قال بصوت مرتجف.
قالت إننا سنلعب لعبة…
احتضنه رودريغو بقوة، والدموع تنهمر بصمت.
نُقلت كاتالينا مكبّلة، رأسها مطأطأ. لم تُقاوم.
وفي السيارة، نظرت من النافذة، كأنها تودّع عالمًا لم تعد تنتمي إليه.
في القصر، كان أوغستو يجلس وحده في الصالة، حين دخل رودريغو وهو يحمل داميان.
وقف الرجل فجأة.
أبي، قال رودريغو بهدوء حازم.
هناك أشياء يجب أن تعرفها.
استمع أوغستو للحقيقة كاملة، ومع كل كلمة، كان وجهه يزداد شحوبًا.
وحين انتهى رودريغو، جلس الرجل ببطء، كأن جسده لم يعد قادرًا على الوقوف.
لم أكن أعلم، قال بصوت مكسور.
لكنه… ابني في كل شيء.
اقترب من داميان، ومد يده بتردد.
الطفل نظر إليه لحظة، ثم أمسك أصابعه الصغيرة.
وفي تلك اللحظة، انفجر أوغستو باكيًا.
بعد أسابيع، صدر الحكم:
أدينت كاتالينا بالخطف، مع أخذ الدوافع النفسية والظروف المخففة بعين الاعتبار.
سُجنَت، لكن القضية تركت ندوبًا لا تُمحى.
عادت الحياة إلى القصر، لكن بشكل مختلف.
أصبحت ياسمين أكثر حضورًا، وأكثر وعيًا بثقل المسؤولية.
أما رودريغو، فصار أقرب إلى داميان من أي وقت مضى، كأنه يعوّضه عن كل خوف مرّ به.
وفي إحدى الأمسيات، جلس داميان في الحديقة، يضحك وهو يطارد فراشة صغيرة.
راقبه رودريغو من بعيد، وابتسم.
لم تنتهِ القصة بسعادة كاملة،
لكنها انتهت بالحقيقة…
وأحيانًا، هذا أقصى ما يمكن للإنسان أن يناله.
النهاية.