رواية رولا وهاشم كاملة بقلم اسما السيد
طلقها بعد عام بعدما انجبت له طفلا جميلا وما أن أنجبت انتظر شهرا.. وطلقها وخطف الطفل كل ما استطاعت أخذه منه هو ثمن تذكرة الدرجه الفاخره للعوده الي بلادها الحبيبه لكن وهي على متن رحلة العوده باكيه استمعت لبكاء رضيع هيستيري حن ص درها له.. فمدت يدها بتلقائية غير واعيه على مكانه والد الطفل الرفيعه..
لماذا يبكي أستطيع إرضاعه لدي طفل من العمر نفسه
أثار صمت الطفل بين ذراعيها دهشة هاشم العبودي رجل الاقتصاد الوطني الأول وكأن الصغير فقد صوته فجأة أو كأن البكاء لم يعد يعرف طريقه إليه كانت زوجة هاشم ذات التسعة والثلاثين عاما قد تركت رضيعها ورحلت بعد الانفصال بلا أسباب واضحة مكتفية بتبرير بارد عن انشغالها بمسيرتها الدبلوماسية لكن حين غفا الطفل بين ذراعي رولا الأمير انحنى هاشم بصوت خافت وقال كيف حدث هذا وأين طفلك لا أراه معك
قربت الطفل إلى صدرها وانفجر بكاؤها حارقا وقالت بصوت مكسور لقد أخذه أبي مني وغادر بحثت عنه في كل مكان في البلاد لكنه اختفى كأنه لم يكن
ارتسمت الصدمة على ملامح هاشم ثم تلتها نظرة سؤال ثم سكون ثقيل قبل أن يقول بقسم واضح أقسم لك أني سأعيده مهما كان المكان
عندها فقط استفاقت رولا مما فعلته كأنها كانت غائبة عن وعيها وأدركت أنها مدت ذراعيها لغريب وأرضعت طفلا لا تعرفه كأن الحزن ساقها دون إذن وحين رفعت عينيها ونظرت إلى وجهه عرفت من يكون وعرفت
لم يكن هاشم العبودي مجرد رجل أعمال كما تصفه العناوين بل كان في نظر الدولة عقلا يوازن الأزمات ويطفئ الحرائق ويجلس في قلب القرار بثبات من لا تهزه الرياح ومع ذلك كان واقفا أمامها الآن لا كصاحب نفوذ بل كأب مذهول يكتشف أن طفله يهدأ في حضن امرأة غريبة أكثر مما يهدأ في حضنه وأن قلب الرضيع لا يعرف الأسماء الكبيرة ولا يحترم المناصب بل يبحث عن الأمان كما تبحث الأرض العطشى عن المطر
جلست رولا وهي لا تزال تحتضن الطفل في مقعدها الواسع في الدرجة الفاخرة وقد التصق الصغير بصدرها كأنه وجد ملاذه الأول بينما جلس هاشم قبالتها محاصرا بسؤالين سؤال عن ابنه الذي لا يهدأ وسؤال عن تلك المرأة التي تحمل في عينيها حكاية فاجعة كاملة وتخبره بهدوء موجع أنها تبحث عن طفلها في بلدها ولم تجده وأن أباه انتزعه منها وغاب
سألها هاشم عن اسم من خطف طفلها فترددت قليلا قبل أن تنطق وكأن الاسم نفسه جرح مفتوح قالت سليم الدمنهوري ثم أتبعت الاسم باعتراف ثقيل وقالت إنه كان زوجها رسميا وحبيبها في البداية ثم تحول إلى سجان حين صارت أما قالت إنه لم يكن ثريا عندما عرفته بل كان رجلا يجيد الكلام ويزرع الطمأنينة في العبارات وحين ارتقى في عمله اكتشف
صمت هاشم طويلا كأنه يسجل الاسم في ذاكرته بعناية ثم قال بهدوء متزن هل أنت متأكدة أنه غادر البلاد فأجابت رولا أنه قال لها صراحة قبل الطلاق إنه سيجعلها تتمنى الموت على أن تراه مرة أخرى وإنه يملك من العلاقات ما يجعله يخفي طفلا داخل مدينة كاملة وأضافت أن الأسوأ أنها لم تكن تملك مالا تقاتل به ولا قوة تواجه بها وحين صرخت قيل لها اصمتي لأن الرجل ولي الطفل في نظر كثيرين ولأن المرأة حين تبكي تتهم بالعاطفة لا بالحق
كان الطفل قد غفا تماما وهو معها وملامحه الصغيرة ما زالت تحمل أثر دموع جفت على خده وكان هاشم ينظر إليه كأنه يراه للمرة الأولى ثم رفع عينيه إلى رولا وسألها ما اسم طفلك فقالت يوسف وقالت الاسم وهي ترتجف لأن الاسم كان خنجرا في حلقها يوسف الذي سرقه أبوه منها يوسف الذي ترك في البيت فراغا وفي اليد فراغا وفي الروح فراغا يوسف الذي ما زالت تشعر بوزنه على ذراعها رغم غيابه
سكت هاشم مرة أخرى ثم قال بصوت لا يسمعه سواها أنا لا أطلق الوعود كثيرا لكن حين أقسم أفعل وأنا أقسم لك أنني سأبحث عنه وسأعيده لك ولو اضطررت لفتح كل الأبواب المغلقة لكنني سأحتاج تفاصيل كثيرة بعد الهبوط لأن الأمر ليس عاطفة فقط بل مسار قانوني ومسار أمني ومسار إنساني وسأسير فيها كلها
لم تعرف رولا هل تصدق أم تخشى التصديق
بدأت رولا تحكي وكأن الكلمات لا تخرج من فمها بل تنزف من صدرها قالت إنها تنتمي إلى أسرة عربية تقليدية جاءت إلى مصر من أجل الدراسة ثم استقرت لفترة قصيرة وحين تعرفت على سليم ظنته الأمان الذي سيحمل عنها ثقل الحياة ورأت فيه الأب الذي سيحمي يوسف قبل أن يولد لكن ما إن حملت حتى انقلب كل شيء صار يغار من جنين لم ير النور بعد وتعامل مع حملها كأنه عبء ثقيل يقيد حريته وحين وضعت يوسف لم يفرح كما يفرح الآباء وقف في غرفة الولادة بوجه بارد بلا دهشة وحين سألته لماذا لا تبتسم قال سنرى لاحقا وكأن الطفل مشروع مؤجل لا قلبا نابضا
بعد عام واحد فقط بدأ يراجعها في كل شيء في تعبها في سهرها في ضعفها في طلبها المساندة وكأن الأمومة ذنب عليها أن تعتذر عنه ثم جاء الطلاق كضربة مباغتة لم تكن مستعدة لها وبعده بشهر واحد حضر إلى بيتها بحجة رؤية الطفل حمل يوسف وخرج ولم يعد وحين ذهبت إلى القسم قيل لها إن ما يحدث خلاف أسري وإنها تحتاج أوراقا وإجراءات ومحاميا