رواية رولا وهاشم كاملة بقلم اسما السيد
المحتويات
البحث عن محام لم تكن تملك سوى ما يسد جوعها وحين لجأت إلى معارفه اكتشفت أنه غير محل إقامته ومحا أثره تماما ثم جاءها اتصال منه يقول فيه إن الرحيل هو الحل الوحيد وإنها لن ترى طفلها هنا وإن أرادت النجاة فلتنج بنفسها
كان هاشم يستمع إليها وكأن كل كلمة تقع مباشرة على قلبه فقال بهدوء يعرف هذا الصنف من الرجال رجال يظنون أن المال والعلاقات تمنحهم حق امتلاك البشر أيضا لكن هناك قانون وهناك عدالة وهناك شيء لا يسقط اسمه حق الأم وسأجعله يفهم أن العالم ليس ساحة لأهوائه
مر الوقت في الطائرة ورولا لا تعرف كيف تشكر ولا كيف تصف ما يشتعل داخلها فهي أم لمست طفلا ليس طفلها فاستيقظ جسدها كله واستعاد صدرها ذاكرة يوسف كأن الحليب تذكر طريقه وكأن الجسد يرفض فكرة الفقد من الأساس بينما كان هاشم بين حين وآخر يطلب من المضيفة ماء أو غطاء للصغير وينظر إلى رولا بعين ممتنة أكثر مما ينطق بالكلام لأنها كانت تمنح ابنه ما تعجز عنه ثروته ونفوذه
وحين بدأت الطائرة بالاقتراب من الهبوط أعادت رولا الطفل إلى أبيه بعد أن شبع ونام وهدأت ملامحه كأنه لم يعرف البكاء يوما وحمل هاشم طفله هذه المرة بثقة أكبر كأنه تعلم في ساعات قليلة ما لم يتعلمه في شهور ثم التفت إليها وقال عندما نصل لن تذهبي وحدك سأرافقك حتى الخروج وسأرتب لك إقامة تليق بك فأنت الآن في بلد ليس بلدك أو على الأقل في مكان لا يجوز أن تواجه آلامه وحدك
قالت
هبطت الطائرة في القاهرة وكانت الشمس تميل إلى الغروب والهواء يحمل رائحة المدينة التي لا تنام وحين خرجوا من البوابة كان من ينتظر هاشم كما ينتظر أصحاب القرار سيارة رسمية ورجال أمن ونظرات تقدير لكنه أشار بيده إشارة خفيفة فتراجع الجميع خطوة ثم التفت إلى رولا وقال لا تخافي من شيء أنت معي الآن
لم تصدق رولا العبارة وهي ترددها في داخلها أنا معه الآن بعد عام كامل من الوحدة وحدها في الزواج وحدها أمام القانون وحدها في مواجهة المجتمع وحدها مع وسادة باردة بلا طفل وحدها مع صباحات لا تبتسم وفجأة صار هناك رجل لا يعرفها إلا منذ ساعات يقول لها أنت معي الآن ويبدو أنه يقولها عن قصد لا مجاملة
اصطحبها هاشم إلى مكان هادئ بعيدا عن صخب المطار حيث يمكنها أن تجلس دون عيون مترصدة ثم أجرى اتصالا بمحاميه الخاص وطلب منه إعداد ملف عاجل عن سليم الدمنهوري يشمل عناوينه وأعماله وسفره وتحركاته وكل ما يمكن الوصول إليه ثم أجرى اتصالا آخر بشخص لم تلتقط رولا اسمه لكنه كان يتحدث إليه بجدية واضحة ويطالبه بمعلومات سريعة بعدها التفت إليها وقال الليلة سترتاحين وغدا نبدأ البحث
قضت رولا ليلتها في شقة صغيرة تعود لأحد معارفه في حي هادئ كانت مرتبة ومريحة لكنها لم
في الصباح جاء هاشم ومعه ملف صغير وأوراق وصور سألها إن كانت تملك صورة حديثة ليوسف فأخرجت من هاتفها بضع صور كانت تخبئها كأنها كنز ثم سألها عن علامة مميزة في جسده فقالت لديه شامة صغيرة قرب كتفه الأيسر ثم سألها عن شهادة الميلاد وعن جواز السفر وعن أي مستند يثبت أمومتها ففتحت حقيبتها وأخرجت ما تبقى معها من أوراق كانت تحملها كأنها دليل وجودها في هذا العالم
قال هاشم جيد هذه المستندات ستختصر الطريق ثم أضاف لا تقلقي من كلمة نفوذ أنا لا أستخدمه ظلما بل لإعادة الحق وهناك فرق كبير ثم بدأ يشرح لها أن سليم إن كان داخل البلاد فسيترك أثرا في المعاملات وإن كان خارجها فهناك سجلات وإن كان يخفي الطفل في بيت عائلته فالقانون له طرقه وإن كان قد غير اسم الطفل أو أوراقه فذلك جرم كبير
كانت رولا تسمع للمرة الأولى لغة تتعامل مع وجعها كقضية لها حلول لا كحزن بلا نهاية وكانت تتشبث بكل كلمة كما يتشبث الغريق بخشبة عائمة
مرت أيام قليلة وهاشم يتحرك بسرعة مذهلة بين مكاتب ومحامين واتصالات ورجال يعرفون كيف يصلون إلى المعلومة دون ضجيج وكانت رولا في كل
عندها لم تستطع رولا الوقوف جلست على الأرض وبكت كأنها تبكي للمرة الأولى ثم نهضت فجأة وكأن الدم عاد إلى عروقها وقالت له هاشم أرجوك خذني إليه الآن فأجابها بهدوء لا تسرع سنذهب لكن بطريقة تحفظ حقك ولا تمنحه فرصة للهروب سنذهب بأمر رسمي وبشهود وبجهة تنفيذية لأن ذهابك وحدك قد يجعله يختفي مرة أخرى
ذهبت معه في سيارة هادئة إلى الحي الذي قيل إن سليم يسكنه كانت مدينة جديدة بشوارع واسعة وبيوت متشابهة لكن رولا كانت ترى كل شيء من خلف ستار الدموع وحين توقفت السيارة أمام عمارة مرتفعة شعرت أن قلبها يكاد يقفز من صدرها صعدوا إلى الطابق المطلوب ومعهم رجل قانون وموظف تنفيذ يحمل أوراقا رسمية وهاشم يمسك الملف بيده كأن الملف صار سيفا في وجه الظلم
توقفوا أمام الباب وطرق موظف التنفيذ طرقات رسمية سمعوا حركة في الداخل ثم فتح الباب وظهر سليم بملامح متوترة حاول التماسك لكنه فشل حين رأى هاشم لأنه يعرفه ويعرف أن المواجهة معه ليست كمواجهة امرأة وحيدة ثم وقعت عيناه على رولا وكأن الماضي خرج
متابعة القراءة