رواية رولا وهاشم كاملة بقلم اسما السيد
وتبدلت ملامحه في لحظة
قال سليم محاولا ابتسامة مصطنعة أهلا يا هاشم باشا خير فأجابه هاشم ببرود أريد الطفل ثم قال موظف التنفيذ بصوت واضح معنا أمر بالتحقق من وجود الطفل وتسليمه لوالدته وفق الإجراءات الرسمية لوجود بلاغ بخطف واحتجاز
صرخ سليم مدعيا أن الطفل ابنه وأنها أم غير مستقرة وأنها هربت من البلد ولا تصلح للتربية ثم حاول إغلاق الباب لكن رجال التنفيذ منعوه ودخلوا وفي الداخل خرجت امرأة مسنة من غرفة جانبية كانت والدته تحمل الطفل على ذراعها والطفل ينظر ببراءة لا يفهم شيئا ثم حين وقعت عيناه على رولا توقف الزمن للحظة لأن الطفل حدق فيها نظرة غريبة ثم مد يده الصغيرة نحوها كأنه يعرفها من رائحتها لا من الذاكرة
انهارت رولا على ركبتيها وكأن الأرض سحبت من تحت قدميها وخرج اسم يوسف من صدرها مبحوحا لا صوتا بل أنينا مدت يديها نحوه ثم توقفت لحظة تخشى أن يذوب المشهد إن اقتربت أكثر كأن العقل لم يلحق بالقلب بعد وحين تقدم الطفل خطوة واحدة فقط انكسر الحاجز كله فضمته إلى صدرها بعنف النجاة وبكى الصغير ثم هدأ فجأة كما هدأ طفل هاشم يومها في الطائرة وكأن صدر الأم هو المكان الوحيد الذي يعرف كيف يطفئ الخوف دون شرح
علت صرخة أم سليم تتهم الجميع بالظلم وتقول إن الولد لن يغادر بيتها وردد سليم كلمات عن الحق والملكية لكن صوت موظف التنفيذ جاء قاطعا لا يحتمل الالتفاف يشرح أن انتزاع الطفل جريمة وأن إقصاء الأم جريمة وأن القانون لا يعترف بالسطوة ولا بالتحايل وأن الاعتراض طريقه المحكمة أما الآن فالطفل يعود إلى حضن أمه لأنه خرج منه بلا حق
اندفع سليم
خرجت رولا وهي تحمل يوسف كأنها تحمل الحياة بعد أن استعادت نبضها وهاشم يسير إلى جوارها صامتا والهواء خارج البناية كان أخف كأنه يفسح لها الطريق وحين جلست في السيارة أمالت رأسها على صدر طفلها واستنشقت رائحته وبكت طويلا لا بكاء انهيار بل بكاء رجوع
مرت أسابيع امتلأت بالإجراءات والملفات والاعتراضات ومحاولات سليم للالتفاف لكن كل محاولة كانت تصطدم بجدار ثابت لأن هاشم لم يكن يسعى إلى بطولة بل إلى عدالة وكان يعرف كيف يغلق الثغرات بهدوء ومع الوقت صدر القرار واضحا حضانة يوسف لرولا واسترداد أوراقه كاملة وإغلاق كل باب حاول سليم أن يتسلل منه
أما هاشم فكان يعود إلى بيته محملا بسؤال أعمق من القضية كلها سؤال عن حياته عن زواج انتهى بلا تفسير عن طفل كان يصرخ في قلبه قبل أن يهدأ في حضن امرأة غريبة أعادته إلى حقيقة بسيطة أن الأمومة ليست لقبا ولا سيرة ذاتية بل روح تعرف الطريق بالفطرة
وفي يوم جلس مع رولا في حديقة صغيرة يراقبان يوسف وطفله يلعبان على مسافة قريبة وقال لها بهدوء أنت لم تعيدي الهدوء لطفلي فقط بل أعدته لي أنا أيضا ثم سكت لحظة كأنه يفتش عن الكلمات وقال كنت أظن أنني أملك كل شيء ثم اكتشفت أنني لا أعرف كيف
ارتبكت رولا لأن القدر لم يكتف بإعادة طفلها بل فتح بابا آخر لم تستعد له لكنها تذكرت أنها هذه المرة ليست مضطرة وأن الاختيار صار حقها فأخذت نفسا طويلا وقالت إن حياتها كانت خوفا طويلا وإنها تحتاج وقتا لتصدق أن الأمان قد يعود بلا وجع فقال هاشم سأمنحك الوقت كله لأنني تعلمت أن العجلة لا تصنع حبا وأن الصبر وحده يعرف الطريق
مرت الشهور والرابط بينهما صار أوضح لم يكن عشقا صاخبا بل مودة تنمو في التفاصيل في احترامه لها في تعامله مع طفلها كأنه معنى العدالة ذاته في وقوفه بجانبها دون أن يحولها إلى ظل وفي حديثه معها كإنسانة لا كقصة وفي ضحك الطفلين معا كأن القدر يهمس أن ما انكسر يمكن أن يصلح إذا وجد قلب لا يخون
وفي يوم ظهرت زوجة هاشم السابقة بعد غياب تطلب رؤية طفلها وتحاول أن تبرر الرحيل بكلمات عن العمل والضغط لكنه لم يفضحها ولم يجرحها أمام الصغير بل وضع حدودا واضحة وقال إن الأمومة لا تستدعى عند الفراغ وإن الطفل ليس ملفا يعود حين تسمح الجداول ومع ذلك لم يمنعها من الرؤية لكنه نظم كل شيء ليحمي الطفل من فوضى الكبار
وحين رأت تلك المرأة رولا أدركت أن الفراغ الذي تركته لم يبق فارغا وأن طفلها الذي كان يبكي بلا توقف صار يهدأ في حضن امرأة لم تكن يوما جزءا من خطتها فغادرت وهي تحمل غصة لكنها غصة حق لا غصة ظلم لأن من يترك يفقد شيئا من حقه في الاعتراض على الامتلاء
وجاء اليوم الذي
قال لها هاشم إن القدر لا يجمع الأرواح عبثا وإنه حين رأى طفلها يعود إلى صدرها أدرك أن العدل يمكن أن يكون بداية حب لا نهاية صراع ثم مد يده نحوها دون استعجال ولا ضغط وقال إن كان في قلبك متسع لي فسأكون رجلا لا ينتزع طفلا ولا يهدد أما بل
يحمي ويصون ويصبر
لم تحتج رولا إلى كلمات طويلة هذه المرة لم تعد تحتاج اللغة لتصدق وضعت يدها في يده بهدوء وفي تلك اللحظة شعر هاشم أن صمت طفله في حضنها يوم الرحلة لم يكن مصادفة بل إشارة وأن الحياة التي غابت خلف المكاتب والمناصب ظهرت فجأة في حضن امرأة مكسورة ثم نهضت قوية أعاد الله لها طفلها وفتح لها بابا لا يبدأ بالخسارة بل بالرحمة
وهكذا لم يكن ما حدث على متن تلك الرحلة مجرد بكاء رضيع في السماء بل نقطة انعطاف لكل شيء كان خيطا رفيعا شد به القدر ستارا ثقيلا فانكشفت حقائق وعادت حقوق وتبدلت مصائر وصار طفلان يضحكان في بيت واحد لا يعلو فيه صوت فوق الضحك وصارت رولا بعد أن عادت يوما بتذكرة فاخرة ودمعة مكتومة تعود بحياة كاملة وبقلب تعلم أخيرا أن الله حين يعوض لا يعوض بما لا يخطر على بال احد
تمت
حكايات