أثناء العشاء وضعت ابنتي ورقة مطوية مكتوب فيها

لمحة نيوز

لم تنظر إلي وهي تفعل ذلك. مررت الورقة بخفة كأنها تسلم ملعقة أو تطلب الملح ثم أعادت يدها إلى حجرها واستقامت في جلستها وعيناها معلقتان بالطبق أمامها. كان زوجي يجلس في الجهة المقابلة يتحدث عن مشروع جديد يضحك بثقة ويقطع اللحم بعناية مفرطة كما لو أن كل شيء في حياته يحتاج إلى دقة محسوبة.
ترددت لحظة قبل أن أفتح الورقة. لا أعرف لماذا شعرت بأن في الأمر ما هو أكثر من ملاحظة طفولية أو رسم صغير. كان قلبي ينقبض دون سبب واضح وكأن شيئا ما في الهواء تغير.
فتحتها ببطء.
الخط كان غير منتظم مترددا لكنه واضح بما يكفي
ماما احذري.
هو عايز يموتك علشان الفلوس.
أنا سمعته.
توقف الزمن.
لم أرفع رأسي فورا. شعرت بالدم ينسحب من وجهي وببرودة تزحف من أطراف أصابعي إلى صدري. حاولت أن أقرأ الكلمات مرة أخرى لعل المعنى يتبدل لعلها تكون مزحة سيئة أو سوء فهم أو خيال طفلة سمعت فيلما في وقت متأخر.
لكن الكلمات بقيت كما هي.
رفعت عيني ببطء دون أن أحرك رأسي. كان زوجي لا يزال يتحدث يلوح بسكينه في الهواء وهو يشرح يبتسم يبدو طبيعيا إلى حد مرعب. لم يكن في ملامحه شيء يوحي بالخطر. لا غضب لا توتر لا ارتباك. فقط رجل واثق هادئ يعرف تماما كيف يبدو.
نظرت إلى ابنتي.
كانت تنظر إلى طبقها

تضغط شفتيها بقوة وكتفاها مشدودتان أكثر من اللازم. لم تكن تلك هيئة طفلة تشعر بالأمان. كانت هيئة من ينتظر شيئا أو يخشى انكشاف شيء.
قلت بصوت حاولت أن أجعله طبيعيا
هل تريدين المزيد
هزت رأسها نفيا بسرعة أسرع مما ينبغي ثم رفعت عينيها نحوي لثانية واحدة فقط. ثانية كانت كافية لأرى الخوف فيها خالصا غير مشوه لا يحتمل التأويل.
أعدت طي الورقة وأخفيتها تحت المنديل على ركبتي. شعرت بثقلها كأنها قطعة معدن لا ورق. كان عقلي يصرخ بأسئلة متلاحقة لكن وجهي ظل ثابتا. لم أكن أعرف بعد إن كنت ضحية وهم أم أنني أجلس على الطاولة ذاتها مع رجل يخطط لقتلي.
قال زوجي مبتسما
هل كل شيء على ما يرام تبدين شاردة.
ابتسمت. لم أعرف كيف فعلت ذلك.
نعم فقط متعبة قليلا.
راقبني لحظة أطول مما يجب ثم عاد إلى طعامه. تلك اللحظة القصيرة حفرت نفسها في داخلي. لم تكن نظرة قلق بل نظرة تقييم. كأنه يقيس شيئا غير مرئي.
مرت الدقائق بطيئة ثقيلة. صوت الملاعق صار أعلى من اللازم. أنفاسي بدت لي مسموعة. وكل حركة منه مهما كانت عادية صارت فجأة قابلة للتأويل طريقة إمساكه بالكوب صمته المفاجئ ابتسامته التي لا تتغير.
حين انتهى العشاء نهض وقال
سأجري مكالمة سريعة في المكتب.
تابعته بعيني وهو يبتعد. لم أشعر
بالارتياح بل بالخوف. الخوف الحقيقي بدأ الآن بعد أن صار التحذير مكتوبا ملموسا لا يمكن تجاهله.
ما إن أغلق باب المكتب خلفه حتى التفت إلى ابنتي.
تعالي.
اقتربت ببطء كمن يسير فوق أرض غير ثابتة. جلست أمامي ويداها متشابكتان بقوة.
همست
قولي لي كل شيء. من البداية.
ابتلعت ريقها.
ما كنتش أقصد أسمع كنت صاحية. هو كان في الأوضة بيتكلم في التليفون. قال إن كل حاجة هتبقى ليه وإن الموضوع لازم يبان حادث.
توقفت وبدأت عيناها تمتلئان بالدموع.
قال إنك واثقة زيادة وإن محدش هيشك.
أمسكت يدها بقوة.
متى
من أسبوع وبعدين سمعته تاني إمبارح.
لم أكن أرتجف. كنت هادئة على نحو مخيف. ذلك النوع من الهدوء الذي يسبق الانهيار أو يسبقه قرار مصيري.
سألتها
هل قلت لأحد
هزت رأسها نفيا.
كنت خايفة بس كنت خايفة أكتر عليك.
ضممتها إلى صدري. في تلك اللحظة فقط سمحت لنفسي أن أصدق. ليس لأن الدليل كامل بل لأن الخوف في صوتها لم يكن يمثل.
وفي تلك الليلة بينما كان زوجي نائما إلى جواري أدركت حقيقة واحدة لا رجعة فيها
الورقة لم تكن بداية القصة.
كانت بداية العد التنازلي.
لم أنم تلك الليلة.
كان جسده إلى جواري ساكنا أنفاسه منتظمة كأنه ينام نوم الأبرياء بينما كنت أحدق في السقف وأعد الأصوات الصغيرة
حركة الهواء احتكاك الملاءة نبض قلبي الذي بدا أعلى من اللازم. لم أجرؤ على الالتفات إليه. فكرة أن أراه نائما بسلام كانت كافية لتشعل داخلي موجة من الغثيان.
كل ما قالته ابنتي أعاد ترتيب ذاكرتي من جديد كأن سنوات كاملة أعيد عرضها بعين مختلفة. مواقف صغيرة عبارات عابرة صمت في غير موضعه أشياء لم أعرها اهتماما صارت فجأة إشارات واضحة فاضحة.
تذكرت كيف أصر على أن أتوقف عن القيادة ليلا.
كيف كان يعترض كلما ذكرت رغبتي في السفر وحدي.
كيف بدا مهتما فجأة بتفاصيل وثائق التأمين وبأن أوقع أوراقا لم أقرأها جيدا.
كنت أسمي ذلك خوفا علي.
الآن فقط سميته مراقبة.
مع بزوغ الفجر نهضت بهدوء. لم أوقظه. راقبته لثوان محاولة أن أرى فيه الرجل الذي أحببته يوما. لم أجد سوى غريب أعرف ملامحه لكني أجهل نواياه.
دخلت غرفة ابنتي. كانت مستيقظة جالسة على سريرها كما لو أن النوم خانها أيضا. ما إن رأتني حتى قامت بسرعة.
ماما
ضممتها.
لن يحدث لك شيء. أعدك.
لم أكن أعرف إن كنت أملك القدرة على الوفاء بذلك الوعد لكن قوله كان ضروريا. الأطفال يحتاجون إلى الوعد أكثر من الحقيقة أحيانا.
بعد أن غادر زوجي إلى عمله بدأ الجزء الأصعب التمثيل.
اتصلت به ظهرا وتحدثت عن أشياء تافهة. ضحكت في المواضع
المناسبة. سألته عن يومه وأخبرته أنني أفكر في تغيير بسيط في
تم نسخ الرابط