أثناء العشاء وضعت ابنتي ورقة مطوية مكتوب فيها

لمحة نيوز

ديكور البيت. كان علي أن أبدو طبيعية لأن أي شرخ في الصورة قد يسرع ما يخطط له.
لكن داخلي كان يعمل بلا توقف.
بدأت بالوثائق. فتحت الخزانة التي يحتفظ فيها بالأوراق المهمة. لم أبحث بعشوائية كنت دقيقة باردة كمن يجري جراحة في نفسه. وجدت نسخا من عقود تأمين لم أتذكر توقيعها. تواريخ قريبة. مبالغ ضخمة. بند صغير عن الوفاة العرضية.
شعرت بضغط في صدري لكني لم أتوقف.
انتقلت إلى هاتفه القديم الذي يحتفظ به في درج مكتبه. كان مغلقا لكن كلمة السر لم تكن صعبة. لطالما ظن أنني لا أراقب التفاصيل.
وجدت المكالمات. أرقام متكررة. رسائل قصيرة محذوفة جزئيا. جملة واحدة لم تمح بالكامل
لازم تبان حادثة. مفيش مجال للغلط.
أغلقت الهاتف بيد ثابتة رغم أن كل شيء في داخلي كان ينهار.
لم أعد أشك.
كنت أواجه حقيقة.
في المساء عاد إلى البيت كما يعود كل يوم. قبلني سأل عن ابنتي وجلس يتناول العشاء. كان أداؤه متقنا. لو لم أكن أعرف لصدقته. وربما هذا ما جعله خطيرا.
قال فجأة
بالمناسبة الطبيب كلمني. قال إن فحوصاتك الأخيرة محتاجة متابعة.
نظرت إليه.
أي فحوصات
ابتسم ابتسامة هادئة.
تحاليل التعب اللي كنت بتشتكي منه. قال إننا ممكن نعيدها بس المرة دي في معمل تاني.
فهمت الرسالة.
الطريق إلى حادث قد يبدأ بتشخيص.
أومأت.
كما تشاء.

في تلك الليلة جلست مع ابنتي طويلا. لم أخبرها بكل شيء لكني أخبرتها بما يكفي.
لو حصل أي شيء غريب تخرجي فورا. تذهبي إلى بيت خالتك. مفهوم
نظرت إلي بعينين واسعتين.
إنت هتسيبيني
هززت رأسى بسرعة.
لا. لكني أستعد.
كانت تلك أول مرة أرى طفولتها تتراجع خطوة إلى الخلف. لم تعد طفلة تماما. المعرفة تفعل ذلك.
قبل أن أنام أرسلت رسالة واحدة فقط إلى صديقة قديمة تعمل محامية
أحتاج أن أتحدث معك غدا. الأمر عاجل ويتعلق بحياتي.
أطفأت الهاتف واستلقيت إلى جواره من جديد.
هذه المرة التفت إليه.
كان مستيقظا ينظر إلي.
ابتسم.
أنت بخير
ابتسمت بدوري.
تماما.
لكننا كنا نعلم كلانا أن هذه الليلة لم تكن سوى الهدوء الذي يسبق خطوة لا عودة بعدها.
في الصباح بدا كل شيء طبيعيا إلى حد يثير الشك. ضوء الشمس تسلل عبر الستائر وصوت حركة الشارع المعتاد وصل خافتا من النافذة بينما كان زوجي يقف أمام المرآة يربط ربطة عنقه بعناية. لم يبد عليه أي توتر. كان هادئا ثابت الحركات كأن الليلة الماضية لم تحمل بين طياتها سوى نوم عميق.
راقبته من بعيد. صار النظر إليه فعلا مقصودا لا تلقائيا. كل حركة منه باتت تحمل احتمالين ظاهرا بريئا وباطنا قاتلا.
قال وهو يلتقط مفاتيحه
سأعود متأخرا اليوم. لدينا اجتماع طويل.
أومأت برأسي.
سأكون في البيت.

ابتسم ابتسامة سريعة ثم خرج. وما إن أغلق الباب خلفه حتى شعرت بأن الهواء عاد إلى رئتي. لكن الراحة لم تدم. كنت أعلم أن الوقت يعمل ضدي وأن بقاء الأمور على حالها ليس خيارا.
اصطحبت ابنتي إلى المدرسة بنفسي على غير العادة. كنت أريد أن أراقب أن أطمئن أن أتأكد أن أحدا لا يراقبنا. حين نزلت من السيارة التفتت إلي فجأة.
ماما هو هيعمل حاجة النهارده
جثوت أمامها.
لا. ولن أسمح له.
لم تكن تلك إجابة مطمئنة بقدر ما كانت وعدا آخر أعلقه في الهواء. لكنها ابتسمت ابتسامة صغيرة كمن يتمسك بما يقدم له.
من المدرسة توجهت مباشرة إلى مكتب صديقتي المحامية. لم أشرح عبر الهاتف شيئا. بعض القصص لا تقال إلا وجها لوجه حين ترى الصدمة في عيني المستمع وتعرف أنك لست مجنونة.
استمعت إلي بصمت لم تقاطعني لم ترفع حاجبيها بدهشة. وحين انتهيت قالت بهدوء صارم
ما لديك ليس شعورا. إنه نمط.
أخرجت ملفا فارغا.
سنبدأ بجمع كل شيء. الأوراق الرسائل أي شاهد أي تغيير مفاجئ في سلوكه.
سألتها
وهل يكفي هذا
نظرت إلي طويلا.
يكفي لنجاتك إن تصرفت بسرعة.
في طريق العودة شعرت بثقل القرار. لم يعد الأمر مجرد شك أو خوف. صار مسارا واضحا لا مجال فيه للتردد. كل خطوة غير محسوبة قد تفسر كضعف والضعف في مثل هذه القصص يستغل بلا رحمة.
حين عدت إلى
البيت وجدت رسالة منه على هاتفي
لا تنسي موعد التحاليل غدا.
قرأتها أكثر من مرة. كانت صيغة الأمر فيها ناعمة لكن المعنى قاس. ابتسمت ثم كتبت
بالطبع. شكرا لاهتمامك.
الكلمات صارت أدوات. كل جملة تكتب بعناية كل رد محسوب.
قضيت بقية اليوم أفتش في الذاكرة. اتصالات قديمة رحلات أشخاص لم أعد أراهم. اكتشفت أنه ببطء شديد كان يعزلني عن العالم. لم أفقدهم فجأة تباعدوا واحدا تلو الآخر حتى لم يبق سواه في الدائرة الأقرب.
في المساء عاد متعبا على غير عادته. جلس بصمت ثم قال
هل أخبرتك أننا سنسافر قريبا رحلة قصيرة تغيير جو.
رفعت رأسي.
إلى أين
تردد لحظة.
لم أحدد بعد.
كانت تلك أول ثغرة. صغيرة لكنها موجودة. رجل يخطط لكل شيء لا يترك التفاصيل معلقة.
قال بعدها
أظن أنك تحتاجين إلى راحة.
ابتسمت.
ربما.
راقبني طويلا كأنه يبحث عن شيء في وجهي. لم يجد ما يريد أو ربما وجد ما لم يتوقعه.
في تلك الليلة جلست وحدي في غرفة المعيشة بعد أن نام الجميع. فتحت درجا لم أفتحه منذ سنوات وأخرجت صندوقا صغيرا. بداخله أوراق قديمة إيصالات مذكرات قصيرة. لم أكن أبحث عن دليل مباشر بل عن نفسي قبل أن أبدأ في الاختفاء.
وجدت رسالة بخطي كتبتها لنفسي يوم زفافي
إن شعرت يوما بالخوف صدقيه.
ابتسمت بمرارة.
الخوف الآن لم يعد مجرد إحساس.
صار معلومة. والمعلومة حين تحسنين استخدامها قد تنقذك.
أطفأت الأنوار وصعدت إلى غرفة
تم نسخ الرابط