الغرفة 412-C: خمس ممرضات حوامل
الغرفة 412C
خمس ممرضات حوامل.. مريض واحد في غيبوبة اسمه روهان ميهتا
وطبيب أعصاب عاجز عن التفسير الدكتور أرجون مالهوترا.
ما حدث داخل الغرفة 412C لم يكن طبيا.. ولم يكتب في أي تقرير رسمي.
لم يكن في ممر الطابق الرابع ما يلفت الانتباه لولا باب واحد.. رمادي اللون.. يحمل لوحة معدنية صغيرة كتب عليها الغرفة 412C. باب عادي في مستشفى يعج بالأبواب.. لكن القصص لا تختار دائما الأبواب المميزة. أحيانا تختار أكثرها صمتا.
بدأ كل شيء حين أعلن عن حمل الممرضة الأولى.
لم يتوقف أحد طويلا عند الخبر. فالمستشفى مكان تتجاور فيه الولادات مع الوفيات.. وتختلط فيه الأخبار السعيدة بالأنين اليومي. غير أن الخبر الثاني جاء بعد أسابيع قليلة.. ثم الثالث.. ثم الرابع.. ثم الخامس. عندها فقط.. صار الصمت أثقل من أن يتجاهل.
خمس ممرضات حوامل
والقاسم المشترك بينهن لم يكن الصداقة.. ولا العمر.. ولا الحالة الاجتماعية.. بل نوبات العمل الليلية داخل الغرفة 412C.
كان المريض الوحيد في تلك الغرفة يدعى روهان ميهتا.
شاب في التاسعة والعشرين.. رجل إطفاء سابق.. أصيب أثناء إنقاذ طفل من حريق هائل في مومباي. سقط من طابق مرتفع.. ونجا جسده بأعجوبة.. لكن وعيه لم يعد. منذ أكثر من ثلاث سنوات.. وهو يرقد في غيبوبة عميقة.. موصولا بأجهزة التنفس والمراقبة.. لا يتحرك.. لا
كان الأطباء يصفون حالته ببرود مهني غيبوبة مستقرة.
أما الممرضات.. فكن يصفنه بكلمة واحدة هادئ.
لم يكن الشاب يصدر أي حركة مفاجئة.. ولا تشنج.. ولا صراخ ليلي كما يحدث مع بعض مرضى الغيبوبة. بدا وكأنه نائم نوما بلا أحلام.. أو هكذا ظن الجميع.
الجميع.. ما عدا الدكتور أرجون مالهوترا.
أرجون.. طبيب الأعصاب المشرف على الحالة.. لم يكن من هواة الخيال. رجل في منتصف الأربعينيات.. يؤمن بالأرقام.. بالتخطيط الدماغي.. وبما يمكن إثباته فقط. وحين أبلغ بحمل الممرضة الثانية.. ابتسم ابتسامة عابرة.. ورد الأمر إلى المصادفة.
لكن المصادفات لا تحب التكرار.
حين دخلت الممرضة الثالثة مكتبه.. وهي تتجنب النظر في عينيه.. وتضع تقرير التحاليل على الطاولة بيد مرتجفة.. شعر أرجون للمرة الأولى بشيء يشبه الوخز في صدره. ليس خوفا.. بل ارتباكا.
جميع الممرضات أكدن الأمر ذاته.
لا علاقات خارج العمل.
لا ظروف شخصية يمكن أن تفسر الحمل.
بعضهن متزوجات.. نعم.. لكن أزواجهن كانوا في مدن أخرى.. أو خارج البلاد.. أو يعانون عقما موثقا.
والأخريات.. لم يكن في حياتهن أحد.
انتشرت الهمسات في الممرات.
تحدث البعض عن تلوث دوائي.
آخرون عن خلل هرموني نادر.
وقلة تجرأت على استخدام كلمات لا تقال في مستشفى شيء غير طبيعي.
أرجون لم يسمح لنفسه
كان يعرف أن العلم لا يملك إجابة لكل شيء.. لكنه كان يرفض فكرة وجود سؤال بلا إجابة من الأساس.
دخل الغرفة 412C في إحدى الليالي.. متأخرا عن المعتاد. وقف قرب السرير.. يراقب جسد روهان الساكن. صدر يرتفع وينخفض بانتظام.. أجهزة تعمل بإيقاع رتيب.. وشاب لا يبدو عليه أي أثر للحياة سوى التنفس.
أنت لا تفعل شيئا.. تمتم أرجون في سره.
لا يمكن أن تكون سببا في أي شيء.
لكن العقل.. حين يحاصر.. يبدأ بطرح أسئلة لا يريد سماعها.
لم يكن الحمل الخامس مجرد رقم إضافي. كان كسرا للتوازن. الممرضة أنانيا راو.. الأصغر سنا بينهن.. انهارت باكية في مكتبه.. وهي تكرر جملة واحدة
أنا لم أكن مع أحد.. أقسم.
في تلك اللحظة.. أدرك الدكتور أرجون مالهوترا أن ما يحدث داخل الغرفة 412C لم يعد شأنا طبيا بحتا.. وأن تجاهله قد يكون أخطر من مواجهته.
تحت ضغط الإدارة.. وخوفا من فضيحة قد تدمر سمعة المستشفى.. اتخذ القرار غير المعلن
المراقبة.
كاميرا صغيرة.
مخفية.
لا يعلم بوجودها أحد.
اختار أرجون ليلة جمعة.. حين يخف عدد الموظفين.. ودخل الغرفة وحده. ثبت الكاميرا داخل فتحة التهوية.. موجهة مباشرة نحو سرير روهان ميهتا. لم يستغرق الأمر سوى دقائق.. لكن إحساسا غريبا رافقه طوال الوقت.. كأن الغرفة تراقبه هو.. لا العكس.
وحين أغلق الباب خلفه.. توقف لحظة.. دون
لم يكن يعلم أن تلك الكاميرا لن تفسر ما يحدث
بل ستنقل السؤال إلى مستوى لم يكن مستعدا له أحد.
بدأت المراقبة في الليلة نفسها.
لم يدون القرار في أي سجل رسمي.. ولم يذكر في تقارير المستشفى. ما حدث داخل الغرفة 412C صار منذ تلك اللحظة خارج حدود الطب.. أقرب إلى تجربة ممنوعة لا يجرؤ أحد على الاعتراف بها.
جلس الدكتور أرجون مالهوترا في مكتبه عند منتصف الليل.. وأمامه شاشة صغيرة متصلة بالكاميرا الخفية. كانت الصورة ثابتة.. حادة.. تظهر سرير روهان ميهتا بوضوح. جسد ساكن.. عينان مغمضتان.. وأجهزة تومض كأنها تحرس نوما أبديا.
مرت الساعات الأولى بلا شيء يذكر.
الممرضة المناوبة دخلت الغرفة.. فحصت المؤشرات الحيوية.. بدلت المحاليل.. ثم خرجت. لم يحدث ما يخالف المعتاد. أرجون كاد يبتسم بسخرية من نفسه. توتر غير مبرر.. قالها بصوت منخفض.
لكن عند الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة فجرا.. تغير كل شيء.
لم تصدر أجهزة الإنذار أي صوت. لم يظهر أي خلل على الشاشات الطبية. ومع ذلك.. لاحظ أرجون شيئا لا ينتمي إلى الأرقام تغير في الإضاءة.
لم تكن الإضاءة الكهربائية.. بل ظل خافت تحرك على الجدار.. كأن الغرفة تنفست فجأة. قرب أرجون وجهه من الشاشة.. ورفع الصوت.. رغم علمه أن الغرفة صامتة.
ثم
تحركت يد روهان ميهتا.
لم تكن حركة تشنجية عشوائية.