كان أخي يُعطيني الشاي كل ليلة

لمحة نيوز

كان أخي يعطيني الشاي كل ليلة قائلا إنه سيساعدني على النوم لكن في إحدى الليالي تظاهرت أن أشربه واكتشفت شيئا مروعا لدرجة أن قلبي كاد أن يتوقف لم يكن عشبة الفاليريان هي ما يسقط في كوب الشاي بل سر مخفي بعناية خلف كل جدار في منزلنا.
منذ وفاة والدتنا تغير أرجون.
أصبح ابتسامه غريبا وخطواته أهدأ وبدأ المنزل ذلك المنزل الكبير القديم حيث نشأنا على أطراف جايبور يشعر وكأنه سجن متنكر في شكل ملاذ.
كنت أرغب في تصديق أن اهتمامه كان مجرد حب أخوي وأن أكواب الشاي لم تكن أكثر من لفتة عناية.
لكن بعدها جاءت الدوخة الليالي بلا نوم والاستيقاظ بلا أي ذاكرة لما حدث.
في كل مرة أغمض فيها عيني شعرت وكأن الزمن نفسه يختفي.
منذ الجنازة بقيت أنا وأخي وحدنا.
هو أصبح حذرا أكثر من اللازم.
وأنا أصبحت أضعف أو هكذا كنت أظن.
كل ليلة في تمام الساعة التاسعة كان يطرق باب غرفتي ويبتسم تلك الابتسامة الهادئة المطمئنة ويقول
سيساعدك على النوم فقط اشربيه.
في البداية صدقته.
الشاي كان دافئا ورائحته

مهدئة وكأن العالم كله يهدأ مع كل رشفة.
لكن بعد أسابيع تغير الطعم.
أصبح مرا معدنيا.
ومع ذلك كنت أستيقظ في الصباح ولا أتذكر متى غفوت.
أحيانا أجد الباب مغلقا بإحكام.
أحيانا أخرى أستيقظ بثقل في رأسي وكأن شخصا عبث بأفكاري بيديه.
كنت أبرر.
أقنع نفسي أن الحزن يفعل أكثر من ذلك.
أن فقدان الأم كاف ليكسر الذاكرة.
حتى جاءت تلك الليلة.
كنت أجلس على سريري أراقب انعكاس الضوء على جدران الغرفة حين رأيته يقف عند الباب.
كان يحمل الكوب كالعادة.
لكن هذه المرة لم أشرب.
رأيته بوضوح.
يده المرتجفة وهي تخرج شيئا صغيرا من جيبه وتسقطه في الماء الساخن.
لم يكن مسحوقا عشبيا.
لم يكن طبيعيا.
همس وهو يمد لي الكوب
فاليريان فقط فاليريان.
ابتسم.
لكن عينيه لم تكن عيون أخ خائف على أخته.
كانت عيون شخص يراقب نتيجة تجربة.
في تلك اللحظة قررت أن أتظاهر بالنوم.
أن أبتلع الخوف بدل الشاي.
وضعت الكوب على الطاولة.
أغمضت عيني.
وتركت جسدي ساكنا بينما قلبي كان يضرب بقوة كأن الجدران كلها تسمعه.
مرت دقائق
أو ساعات لا أعلم.
ثم سمعت خطواته.
توقفت بجوار سريري.
شعرت بأنفاسه قريبة.
وبصوته الخافت يقول
تمام
عندها فقط أدركت شيئا واحدا مخيفا
أرجون لم يكن ينتظر أن أنام
كان ينتظر أن أفقد الوعي.
والأسوأ
أن هذه لم تكن أول مرة يفعل فيها ذلك.
يتبع
لم أفتح عيني حين غادر الغرفة. ظللت أعد أنفاسي أبطئها أقنع جسدي أن يمثل الغياب الكامل. وحين سمعت باب غرفتي يغلق لم أتحرك فورا. انتظرت. تعلمت من الليالي السابقة التي لم أعد أتذكرها أن أرجون لا يثق بسهولة. كان يعود أحيانا بعد دقائق يقف خلف الباب يختبر الصمت كأنه يصغي لشيء لا يسمعه سواه.
حين تيقنت أنه ابتعد نهضت ببطء. حملت الكوب شممته. الرائحة لم تكن عشبية كما اعتدت. كانت حادة باردة كأنها لا تنتمي إلى مطبخ بيت بل إلى درج في عيادة. تذكرت صداع الصباحات الفراغات السوداء في ذاكرتي والأبواب المغلقة بإحكام. كل شيء بدأ يتصل بخيط واحد مرعب.
وضعت الكوب في درج مكتبي وبدلت مائه بماء عادي ثم عدت إلى السرير. هذه المرة نمت فعلا لكن نوما خفيفا
متقطعا كأن عقلي يرفض أن يسلم نفسه.
استيقظت مع أول خيط ضوء. كان رأسي ثقيلا لكنني أتذكر. تلك كانت أول مرة منذ أسابيع أستيقظ وأنا متأكدة مما حدث في الليلة السابقة. شعور بسيط لكنه جعل قلبي يقفز. الذاكرة كانت عائدة.
في الممر كان البيت صامتا. ذلك الصمت القديم الذي لم ألحظه إلا الآن بدا وكأنه يحبس أنفاسه. مررت بجوار غرفة والدتي. الباب مغلق كما تركه أرجون منذ الجنازة. لم يسمح لي بالدخول قط. قال إن الذكريات مؤلمة. صدقته. الآن فقط بدأت أفهم أن الألم لم يكن السبب.
نزلت إلى المطبخ. وجدت أرجون هناك يرتب الأكواب بعناية مبالغ فيها. التفت إلي وابتسم.
نمت جيدا سأل.
هززت رأسي وابتسمت بدوري. كان التمثيل سهلا على نحو مخيف. ربما لأنني تدربت عليه دون أن أدري ليلة بعد أخرى.
أفضل من السابق قلت.
راقبني. عينيه لم تفارقا وجهي. ثم قال بنبرة خفيفة الشاي يساعد.
شعرت بالغثيان لكنني تماسكت. جلست وبدأت أراقبه. كانت حركاته محسوبة لا شيء عشوائيا. حتى ضحكته بدت كأنها تمر عبر فلتر بارد.

بعد الإفطار قال إنه سيخرج لبعض الأعمال. لم أسأله أين.
تم نسخ الرابط