كان أخي يُعطيني الشاي كل ليلة
انتظرت حتى أغلق الباب خلفه. حينها فقط تحركت.
صعدت إلى الطابق العلوي إلى غرفة والدتي. أمسكت بالمقبض. كان مقفلا. بحثت في الأدراج في الصناديق القديمة. وجدت المفاتيح في مكان لم أتوقعه داخل كتاب ديني على رف مرتفع. تذكرت كيف كان أرجون يضع الأشياء المهمة حيث لا أنظر.
فتح الباب بصوت خافت. رائحة الغرفة كانت مختلفة. ليست رائحة الغبار بل رائحة شيء معقم. نظرت حولي. السرير مرتب بدقة أكثر مما ينبغي لغرفة تركت شهورا. الستائر مسدلة. وعلى الطاولة الجانبية وجدت دفترا.
كان خط أمي.
فتحت الصفحة الأولى ويدي ترتجف. لم تكن مذكرات عادية. كانت تواريخ ملاحظات قصيرة أسماء مواد. قرأت اسما أعرفه بنزوديازيبين. ابتلعت ريقي. لم تكن أمي طبيبة لكنها كانت ممرضة. كانت تعرف الأدوية وتعرف مخاطرها.
في الصفحات التالية وجدت اسمي. وتحت اسمي كلمة واحدة جرعة.
شعرت بالأرض تميد. واصلت القراءة. كانت تكتب عن أرجون. عن تغيره بعد وفاة أبي. عن نوبات غضبه المكبوتة. عن خوفها علي. وفي آخر الصفحات توقفت الكتابة فجأة.
وجدت ظرفا صغيرا داخل الدفتر. بداخله تقرير طبي. تشخيص. اسم مرض لم أسمع به من قبل لكنني فهمت جوهره اضطراب قهري مع ميول للسيطرة والتجربة.
سمعت صوت الباب الأمامي يفتح.
أغلقت الدفتر بسرعة وأعدته مكانه لكنني احتفظت بالتقرير. خرجت من الغرفة قبل أن يصل الدرج.
دخل أرجون يحمل حقيبة صغيرة. نظر إلي طويلا. كنت في الأعلى
أبحث عن وشاح أمي قلت.
ابتسم. كان يجب أن تطلبي.
في تلك الليلة جاء الشاي في موعده. وضع الكوب على الطاولة وجلس على الكرسي المقابل. لم يفعل ذلك من قبل.
أنت تبدين أفضل قال. أقوى.
رفعت الكوب وتظاهرت بالشرب. كنت قد أفرغته مسبقا في الحمام. راقبني وأنا أبتلع. ثم نهض.
حين غادر
في اليوم التالي خرجت للمرة الأولى وحدي منذ أسابيع. قلت له إنني أحتاج هواء. تردد ثم وافق. كان ذلك انتصاري الصغير.
ذهبت إلى العنوان. عيادة قديمة لكنها نظيفة. الطبيب كان رجلا في الخمسين نظر إلي طويلا حين قرأ التقرير.
أين حصلت على هذا سأل.
قلت الحقيقة. أو جزءا منها. استمع بصمت. ثم قال إنه خطير. ليس عليك أن تعودي إلى ذلك البيت.
ضحكت بمرارة. ليس لدي مكان آخر.
أعطاني رقما. وقال اتصلي إن احتجت.
عدت قبل الغروب. كان أرجون ينتظر. سألني أين كنت. قلت تمشيت.
لم يصدق. رأيت ذلك في عينيه.
تلك الليلة لم يأت بالشاي. انتظرت. الساعة تجاوزت التاسعة. العاشرة. ثم سمعت خطواته.
دخل الغرفة بلا كوب.
لا حاجة للشاي اليوم قال. أنت بخير.
جلس على حافة السرير. اقترب أكثر مما
أتعلمين قال بهدوء أمي كانت تفهمني. كانت تعرف أن بعض العقول تحتاج توجيها.
تجمدت. قالها. اعترف.
كنت دائما ضعيفة تابع. كنت تحتاجينني.
نهضت فجأة وتراجعت. صرخت. لأول مرة منذ شهور خرج صوتي.
تراجع هو خطوة. بدا متفاجئا. ربما لم يتوقع أن الذاكرة عادت. ربما لم يتوقع المقاومة.
اندفعت نحو الباب. أمسك بذراعي. شعرت بقوته. لكنني صرخت مرة أخرى. ضربت. سقطنا.
لا أعرف كيف وصلت إلى الخارج. لا أعرف كيف ركضت. فقط أتذكر الهواء والشارع والحرية.
الشرطة جاءت لاحقا. التحقيقات كشفت كل شيء. الأدوية. التسجيلات. الغرفة المغلقة.
أرجون قال إنه كان يحاول المساعدة.
اليوم أنا في مكان آخر. أتعلم أن أنام دون شاي. أن أتذكر. أن أعيش.
لكن أحيانا حين يقترب المساء وأشم رائحة أعشاب دافئة يعود ذلك الشعور.
شعور أن بعض الأسرار
وتنتظر.