أراد رجل ثري أن يختبر خادمته الخجولة
إلى وجهه.
كان شاحبا.
رأت الهالات الداكنة تحت عينيه والخط الرفيع بين حاجبيه ذلك الخط الذي لم يكن موجودا في الصور التي رأتها له في الصحف. بدا في نومهأو ما ظنته نوماأصغر أقل صلابة كأن ثقلا غير مرئي يضغط على روحه.
همست مرة أخرى هذه المرة كأنها تخاطب نفسها
لا أحد ينام بهذا الإرهاق
مدت يدها ببطء شديد ومسحت العرق الخفيف عن جبينه. كانت لمستها خفيفة حذرة أقرب إلى لمسة ابنة تخشى أن توقظ أباها.
وفي تلك اللحظة انقبض قلب أدريان.
لم يكن يتوقع هذا.
كان مستعدا لأن يراها تفتش أو تقترب بدافع فضول أو تحاول استغلال لحظة ضعف. لكن هذه اللمسةلم تكن تشبه أي شيء عرفه من قبل.
سحبت آنا يدها سريعا وكأنها ارتكبت خطأ
قالت بصوت مرتجف
آسفة لم أقصد فقط
سكتت.
نظرت حولها ثم إلى وجهه مجددا. بدا لها أنه لا يزال نائما. تنفست بعمق كمن اتخذ قرارا داخليا ثم أخرجت شيئا آخر من جيبها.
كانت ورقة صغيرة مطوية بعناية.
وضعتها على الطاولة القريبة من السرير دون أن تصدر صوتا. ثم التفتت لتغادر.
وفي تلك اللحظة فتح أدريان عينيه.
جلست آنا في مكانها من شدة المفاجأة واتسعت عيناها وارتجف جسدها كله.
قال بصوت هادئ لكنه عميق
آنا.
تجمدت.
لم تستطع الكلام. كانت عيناها مثبتتين عليه والدم قد انسحب من وجهها.
جلس أدريان ببطء وأسند ظهره إلى الوسادة. لم يكن في نظرته غضب ولا دهشةبل حيرة.
قال
منذ متى وأنت
اهتز صوتها
أناأنا آسفة سيدي. أقسم أنني لم
رفع يده مشيرا لها أن تتوقف.
قال
لماذا
سكتت طويلا.
ثم انحنت رأسها وخرج صوتها خافتا
لأنك لم تعد تأكل كما يجب ولا تنام وأحيانا تتحدث وأنت مستيقظ كأنك وحدك في حرب.
رفع حاجبيه مفاجأ.
قال
وماذا عن الورقة
نظرت إلى الطاولة ثم قالت
كنت سأتركها وأغادر.
مد يده التقط الورقة وفتحها.
كانت رسالة قصيرة مكتوبة بخط بسيط
سيدي أعلم أن هذا ليس من شأني لكن الألم لا يشفى بالصمت وحده. أحيانا وجود شخص واحد صادق يكفي ليمنح القلب فرصة أخرى.
قرأها مرة ثم مرة أخرى.
ثم رفع نظره إليها.
قال بهدوء
كنت تختبرينني
هزت رأسها بقوة
لا! لم أكن أعرف حتى أنك
توقفت.
تنفست
أنا لا أريد شيئا منك سيدي. لا مال ولا شفقة. فقط لا أحتمل رؤية شخص ينهار بصمت.
ساد الصمت.
لم يكن أدريان يعرف ماذا يقول. للمرة الأولى منذ زمن طويل لم يشعر بأن أحدا يقف أمامه بدافع الطمع أو الخوف أو المصلحة.
قال أخيرا
يمكنك الذهاب.
انحنت فورا
نعم سيدي.
لكن قبل أن تصل إلى الباب قال
آنا.
توقفت.
قال
شكرا على الصدق.
لم تلتفت. فقط أومأت وغادرت.
بقي أدريان جالسا طويلا ينظر إلى الورقة بين يديه. شعر بشيء يتحرك داخلهشيء لم يشعر به منذ انفصاله منذ أن قرر أن يغلق قلبه.
في تلك الليلة لم يعد الشك سيد أفكاره.
بدأ سؤال واحد يطرق عقله بإلحاح
متى كانت آخر مرة اهتم بي أحد دون مقابل
ومنذ تلك الليلة
لم يعد أدريان يختبر آنا.
بل بدأ لأول مرة يختبر نفسه.