سافرتُ اثنتي عشرة ساعة لأشهد ولادة حفيدي

لمحة نيوز

يحرجني أمام إلينا وأهلها.
لم ترفع لوسيا صوتها. لم تذكره بالباب المغلق ولا بالجملة القاسية. سألت فقط
هل خرج الطفل من المستشفى
لا الإجراءات متوقفة. والد إلينا غاضب. يقول إن هذا تصرف أناني.
ابتسمت لوسيا ابتسامة باهتة لم يرها أحد.
قالت
غريب. حين كنت أقف خلف ذلك الباب لم يسأل أحد إن كنت متعبة أو مجروحة أو حتى أما. والآن صرت أنانية لأنني لم أفتح محفظتي
سكت ماركوس. طال الصمت بينهما حتى ظنت لوسيا أن الخط انقطع.
قال أخيرا بصوت أخفض
أمي الأمر معقد. إلينا كانت ضعيفة. أنا لم أرد أن أزعجها.
ردت بنبرة خالية من العتاب
وأنا لم أرد أن أزعجها أيضا. لذلك غادرت.
أغلق ماركوس الخط دون وداع.
في المساء جلست لوسيا تخرج البطانية من الحقيبة. مدتها على الطاولة مررت أصابعها على غرزها المتقنة. كل غرزة كانت مساء قضته وحيدة تفكر في اسم الحفيد في عينيه في كيف ستغني له الأغاني القديمة التي كانت
تغنيها لماركوس.
طوت البطانية بعناية ووضعتها في درج عميق ثم أغلقته.
بعد يومين وصلها بريد إلكتروني من المستشفى بنبرة أكثر حدة. تجاهلته. ثم رسالة أخرى ثم اتصال من رقم مجهول. لم ترد.
وفي اليوم الرابع طرقت بابها طرقات مترددة.
فتحت لوسيا فوجدت أمامها امرأة في الخمسين أنيقة المظهر بشعر مصفف بعناية. عرفتها فورا كارمن والدة إلينا.
قالت كارمن ببرود مهذب
هل يمكنني الدخول نحتاج إلى الحديث.
أفسحت لوسيا الطريق دون كلمة.
جلستا متقابلتين. لم تقدم لوسيا قهوة. لم تبادر. انتظرت.
قالت كارمن
لم أتوقع هذا منك. ظننتك امرأة عاقلة.
رفعت لوسيا حاجبا واحدا
العقل في رأيي أن أعرف مكاني.
شدت كارمن شفتيها
ابننا ولد. هذا أهم من الخلافات. العائلة تتكاتف في الأزمات.
أجابت لوسيا
أتفق معك. لكن يبدو أننا نختلف على تعريف كلمة عائلة.
مالت كارمن إلى الأمام
إلينا شعرت دائما أنك تتدخلين.
ضحكت لوسيا ضحكة
قصيرة خالية من الفرح
لم أدع يوما لأتدخل. لم أدع أصلا.
صمتت كارمن لحظة ثم قالت بنبرة أكثر ليونة
الآن ليس وقت العناد. عشرة آلاف دولار مبلغ صغير مقارنة بسلامة الطفل.
نهضت لوسيا وتوجهت نحو الدرج. فتحته وأخرجت البطانية ووضعتها على الطاولة بينهما.
قالت
هذا ما جئت به. هذا كل ما طلب مني كجدة. أما المال فهو ثمن الدخول إلى غرفة لم أسمح بدخولها.
وقفت كارمن وجهها متصلب
إذا ستتحملين العواقب.
ردت لوسيا بهدوء حاسم
لقد تحملتها بالفعل.
غادرت كارمن دون سلام.
مر أسبوع. ثم أسبوع آخر. في النهاية دفعت الفاتورة. علمت لوسيا لاحقا أن والد إلينا اضطر إلى السحب من مدخراته وأن التوتر دب في بيت الزوجية منذ الأيام الأولى.
لم يتصل ماركوس.
مرت شهور. جاء الشتاء. كانت لوسيا تقضي أيامها بين الحديقة الصغيرة والكتب القديمة. لم تكن حزينة لكن شيئا فيها أصبح أكثر صمتا.
وفي صباح مشمس وصلها ظرف بالبريد.
بخط متردد كتب اسمها.
كان من ماركوس.
أمي
أعرف أنني أخطأت. أعرف أنني خذلتك. كنت ضعيفا. أردت أن أرضي الجميع ففقدتك.
إلينا تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة. الأمور ليست سهلة. أحتاجك.
هل يمكن أن نبدأ من جديد
أغلقت لوسيا الرسالة وبقيت تحدق في الحائط طويلا.
في المساء فتحت الدرج. أخرجت البطانية. نظرت إليها ثم أعادتها.
وفي اليوم التالي كتبت ردا قصيرا
يا ماركوس
أنا هنا لكن ليس كما كنت. سأكون جدة حين يفتح لي الباب لا حين تفتح الفاتورة.
أمك.
بعد شهرين رن جرس الباب.
فتحت لوسيا فرأت ماركوس. كان يحمل طفلا صغيرا ملفوفا ببطانية أخرى زرقاء هذه المرة. عيناه متعبتان لكن فيهما رجاء.
قال بصوت مكسور
أمي هل تسمحين لنا بالدخول
نظرت لوسيا إلى الطفل. كان نائما وجهه صغير بريئا من كل شيء.
تراجعت خطوة وفتحت الباب على مصراعيه.
قالت
ادخلوا.
لم تبك. لم تعاتب. فقط في تلك اللحظة فهم ماركوس أن الأمومة
لا تقاس بما تدفعه بل بما تعرف متى تتوقف عن الدفع ومتى تفتح الباب.

تم نسخ الرابط