«لم آتِ إلا لأُعيد هذا الشيء الذي وجدته…»
«لم آتِ إلا لأُعيد هذا الشيء الذي وجدته…»
ضحك المدير، لكنّ المالك كان يراقب كلَّ شيء من النافذة.
كان لوكاس فيريرا يضغط الظرف الأصفر بقوة إلى صدره وهو يدخل المبنى، ويداه تتصبّبان عرقًا—ليس بسبب الظرف، بل بسبب رهبة المكان. كلّ شيءٍ من حوله كان من الرخام والزجاج والبدلات الفاخرة. الكبار يسيرون وكأنهم في عالمٍ خاصٍّ بهم، لا يلتفتون إلى طفلٍ في العاشرة، بحذاءٍ قديم وحقيبةٍ ممزّقة.
لم يكد يصل إلى مكتب الاستقبال حتى قاطعه صوتٌ بارد:
— «مرحبًا أيها الصغير، هذا ليس مكانًا للتسوّل»، قالت موظفة الاستقبال دون أن ترفع عينيها عن شاشة الكمبيوتر.
— «اخرج قبل أن أستدعي الأمن».
احمرّ وجه لوكاس خجلًا.
— «لم آتِ لأطلب شيئًا»، همس بصوتٍ واهن.
— «جئت فقط لأُعيد هذا الشيء».
مدّ الظرف بحذر. كان قد وجده في الشارع، أمام مطعم الوجبات الخفيفة الذي يعمل فيه بعد المدرسة. لطالما قالت له جدّته إنّ ردّ الأمانات واجب، مهما كانت الظروف ومهما كان تعامل الناس.
نظرت موظفة الاستقبال إليه، ثم ضحكت بسخرية:
— «طبعًا… وجدته! الجميع يجد أشياء حين يريد شيئًا بالمقابل. اخرج».
وقف لوكاس مكانه. تردّد صوت جدّته في
في تلك اللحظة، مرّ رجلان ببدلات رسمية في الردهة. توقّف أحدهما، بابتسامةٍ معوجّة وربطة عنق زرقاء لامعة.
— «انظر إلى هذا»، قال ساخرًا.
— «رائد أعمالٍ صغير».
كان رودريغو أمارال، مدير المبيعات المعروف بغطرسته. ضحك زميله بصوتٍ عالٍ.
— «وجدت هذا الظرف وجئت لأُعيده»، قال لوكاس، صوته مرتجف لكنّه حازم.
انتزع رودريغو الظرف بخشونة، وألقاه على الطاولة.
— «نعم نعم، وجدته. دعني أخمّن: أمّك مريضة، وأبوك بلا عمل، وأنت تريد مقابلًا، أليس كذلك؟»
انفجر زميله ضاحكًا:
— «هؤلاء الأطفال دائمًا بقصصهم».
شعر لوكاس بأنّ حلقه يضيق، لكنه قاوم دموعه.
— «لا أريد مالًا»، همس.
— «أريد فقط أن أُعيده».
أخرج رودريغو بعض العملات المعدنية من جيبه ورماها نحوه:
— «تفضّل، خذ ريالين. اشترِ لك وجبة واذهب».
كانت الإهانة مؤلمة، لكنّ لوكاس بقي واقفًا، قبضتاه مشدودتان، عاجزًا عن الكلام. كلّ ما أراده هو أن يفعل الصواب.
ما لم يكن أحدٌ في الردهة يعلمه، أنّ شخصًا في الطابق الثاني كان يراقب المشهد كلّه. أنطونيو مينديز،
عندما سخر رودريغو من الطفل وألقى الظرف جانبًا، نهض أنطونيو من مكتبه ونزل الدرج، تتردّد خطواته في أرجاء القاعة. ساد الصمت حين أدرك الجميع من القادم.
— «رودريغو»، اخترق صوت أنطونيو المكان، هادئًا لكنّه مفعم بالسلطة.
استدار رودريغو، وتلاشى غروره في لحظة.
— «السيد أنطونيو… كنت فقط أتصرّف مع الموقف».
— «رأيت تمامًا ما كنت تفعله»، قال أنطونيو بصوتٍ منخفض لكنه حادّ الأثر.
تقدّم نحو المكتب، التقط الظرف وفتحه. تغيّر وجهه وهو يقرأ—كانت تلك الأوراق السرّية المفقودة التي كان يبحث عنها. أوراق تساوي ملايين، أوراق قد تغيّر كلّ شيء.
خيّم صمتٌ ثقيل على المكان.
— «أين وجدت هذا؟» سأل أنطونيو لوكاس، وقد صار صوته لطيفًا مفعمًا بالاحترام.
— «كان في الشارع قرب مطعم السيّد خورخي في شارع الأكاسيا»، أجاب لوكاس بتوتّر.
— «رأيت الشعار، فظننت أنّ عليّ إعادته».
— «ولِمَ لم تحتفظ به؟ ولمَ لم تطلب مكافأة؟»
ابتلع
— «لأنّه ليس لي»، قال ببساطة.
— «وأنا لا أملك حقّ الاحتفاظ بما لا يخصّني».
ساد صمتٌ أعمق من ذي قبل. لم يكن جوابًا منمّقًا، ولا خطابًا أخلاقيًا طويلًا، بل كلمات قصيرة خرجت من قلب طفلٍ لم يتعلّم بعد كيف يجمّل الصدق.
نظر أنطونيو مينديز إليه طويلًا، وكأنّه يرى أمامه شيئًا نادرًا. التفت ببطء إلى موظفة الاستقبال، ثم إلى رودريغو وزميله، وقال بنبرةٍ لم تخلُ من مرارة:
— «هل سمعتم؟»
— «هذا الطفل، الذي لم تمنحوه حتى فرصة الكلام، يملك من القيم ما لا يملكه كثيرون هنا».
احمرّ وجه موظفة الاستقبال، وخفضت رأسها إلى الشاشة. أمّا رودريغو، فبدا وكأنّ الأرض انسحبت من تحت قدميه.
— «سيدي أنطونيو… أنا… لم أكن أعلم أنّ الظرف…» بدأ يتلعثم.
قاطعه أنطونيو بإشارةٍ حازمة:
— «المشكلة ليست في الظرف».
— «المشكلة في الطريقة التي تعاملتَ بها مع إنسان».
ثم انحنى قليلًا حتى صار على مستوى لوكاس، وقال له بابتسامةٍ دافئة:
— «هل اسمك لوكاس؟»
— «نعم، سيدي».
— «كم عمرك؟
— «عشر سنوات».
— «وأين تعيش؟»
— «في حيّ سانتا لوسيا، مع جدّتي».