«لم آتِ إلا لأُعيد هذا الشيء الذي وجدته…»
ارتعشت شفتا لوكاس وهو يجيب، كأنّه يخشى أن يكون قد قال أكثر ممّا ينبغي. لكنّ أنطونيو اكتفى بهزّ رأسه، ثم اعتدل في وقفته.
— «رودريغو»، قال بنبرةٍ رسمية.
— «من هذه اللحظة، أنت موقوف عن العمل إلى أن يُنظر في سلوكك».
شهق بعض الموظفين، وتجمّد رودريغو في مكانه.
— «سيدي! هذا خطأ بسيط… طفل في الردهة…»
— «الخطأ البسيط»، ردّ أنطونيو ببرود،
— «هو ما يصنع ثقافةً فاسدة إذا تمّ تجاهله».
ثم التفت إلى لوكاس:
— «تعال معي».
تردّد لوكاس لحظة، ونظر خلفه، كأنّه يخشى أن يكون ذلك فخًا أو عقابًا، لكنّ أنطونيو مدّ له يده، فجمع شجاعته وسار معه عبر الممرّات الواسعة، وصعدا المصعد الزجاجي إلى الطابق الأعلى.
في الداخل، كان مكتب أنطونيو واسعًا ومطلًّا على المدينة. جلس الرجل خلف مكتبه،
— «اجلس».
جلس لوكاس بحذر، واضعًا حقيبته الممزّقة عند قدميه.
— «لوكاس»، قال أنطونيو بعد لحظة صمت.
— «هل تعلم ما الذي كان في ذلك الظرف؟»
هزّ لوكاس رأسه نفيًا:
— «لا، سيدي. لم أفتحه».
ابتسم أنطونيو ابتسامةً خفيفة:
— «هذا وحده يكفي ليخبرني عنك الكثير».
ثم أضاف:
— «هذه أوراق مهمّة جدًا. لو وقعت في الأيدي الخطأ، لخسر كثيرون وظائفهم، وربما أكثر».
اتّسعت عينا لوكاس دهشةً:
— «حقًا؟»
— «نعم. ومع ذلك، لم تفكّر في نفسك».
سكت أنطونيو قليلًا، ثم قال:
— «أخبرني عن جدّتك».
أشرق وجه لوكاس قليلًا:
— «هي كلّ شيءٍ لدي. علّمتني القراءة، وعلّمتني أن أكون صادقًا. تقول دائمًا إنّ الفقر ليس عيبًا، لكنّ السرقة عيب».
أغمض أنطونيو عينيه للحظة، كأنّ
— «كانت أمّي تقول الشيء نفسه»، تمتم.
نهض من مقعده، وسار نحو الخزانة، وأخرج منها ظرفًا أبيض جديدًا. وضع داخله شيكًا، ثم عاد وجلس.
— «لوكاس، ما فعلته اليوم يستحقّ التقدير».
— «أعرف أنّك قلت إنّك لا تريد مالًا، وأنا أحترم ذلك».
دفع الظرف الأبيض نحوه:
— «هذا ليس مقابل الظرف الأصفر».
— «هذا استثمار في مستقبلك».
تراجع لوكاس في مقعده:
— «لا أفهم».
— «هذا منحة دراسية. سأتحمّل تكاليف تعليمك كاملًا، من اليوم إلى أن تختار طريقك بنفسك».
حبس لوكاس أنفاسه، وكأنّ الكلمات أكبر من أن تُفهم دفعةً واحدة.
— «لكن… لماذا؟»
— «لأنّ العالم يحتاج إلى أشخاص مثلك».
— «ولأنّ الخير، حين يُكافأ، يصبح أقوى».
اغرورقت عينا لوكاس بالدموع، لكنّه حاول التماسك:
—
ضحك أنطونيو بلطف:
— «بالطبع. وسأكون سعيدًا بلقائها».
بعد أيام، زار أنطونيو حيّ سانتا لوسيا بنفسه. لم يكن الحيّ يشبه المكاتب الزجاجية ولا الردهات الرخامية، لكنّه شعر فيه بدفءٍ غريب. استقبلته الجدّة روزا عند الباب، وقد بدا عليها الارتباك حين عرفت من يكون.
— «ابنكِ حفيدكِ علّمني درسًا لن أنساه»، قال أنطونيو وهو يصافحها.
— «لقد ربّيتِ رجلًا حقيقيًا».
بكت روزا بصمت، ووضعت يدها على رأس لوكاس.
مرّت السنوات.
كبر لوكاس، وانتقل من ذلك الحيّ المتواضع إلى مدارس لم يكن يحلم بها يومًا. لكنّه لم ينسَ أبدًا من أين جاء، ولا الظرف الأصفر، ولا الردهة الباردة.
وفي يومٍ ما، عاد إلى المبنى نفسه، لا كطفلٍ خائف، بل كشابٍّ واثق، يحمل حقيبة أنيقة… وقيمًا لم
ومن النافذة ذاتها، وقف شخصٌ آخر يراقب، ويبتسم، لأنّ الخير، حين يُزرع، لا يضيع.