رجلٌ من ذوي الإعاقة عاش وحيدًا أربعين عامًا… إلى أن طلبت امرأةٌ ملجأً من العاصفة
ماذا لو عشت عمرك كله معتقدا أن الحب ليس لك
لن تمر حكاية أليخاندرو هيريرا على قلبك مرورا عابرا
كان لا بد أن ينكسر أولا
كسرا بطيئا مديدا كمن ينزع عنه الأمان قطعة بعد قطعة.
ثم وبعناية لا تشبه سوى الرحمة سيعاد بناؤه من جديد جزءا جزءا وكأن الحياة اعتذرت أخيرا عن قسوتها.
حين بلغ أليخاندرو عتبة الأربعين كان قد استسلم لفكرة واحدة لا تقبل الجدل
أن الوحدة قدره الأخير.
لا لأنه أحبها يوما بل لأنها مقارنة بما ذاقه بدت أقل فتكا من خيبات الأمل المتكررة وأهون من الانتظار العقيم لشيء لم يأت قط.
كان رجلا أنهكته الإعاقة الحركية لا بثقلها الجسدي فحسب بل بما خلفته في روحه من تشققات عميقة.
سنوات طويلة عاشها تحت وطأة نظرات فاحصة وكلمات مهذبة تخفي شفقة وابتسامات مصطنعة تحمل في طياتها حكما صامتا بالرفض.
لم يكن الألم في العرج ولا في الذراع التي لا تطيعه كما ينبغي بل في ذلك الإحساس المزمن بأنه دائما أقل مهما حاول ومهما أثبت.
اختار العزلة لا هربا من البشر بل هربا من مرآتهم.
من تلك العيون التي تسبق التعارف بالحكم وتقيسه بإعاقته قبل أن تسمع اسمه.
لهذا استقر وحيدا في بيت خشبي صغير بدا كأنه عالق بين السماء والأرض على مرتفعات سييرا مادري.
منزل يطل على الغابات الكثيفة ويغرق في صمت ثقيل بعيدا عن المدن وعن الأسئلة الفضولية وعن ذلك الفضول القاسي الذي يتخفى في ثوب الاهتمام.
هناك وسط الصنوبر والضباب صاغ لنفسه قناعة صارمة لا رجعة فيها
الحب
والنساء مهما بدت قلوبهن رحيمة لن يستطعن رؤية ما يتجاوز إعاقته.
كان يؤمن أن أي نظرة إعجاب محتملة ستنتهي عند أول مواجهة مع الواقع وأن أي اهتمام سيتحول عاجلا أو آجلا إلى عبء أو خجل.
لكن القدر كعادته لا يحترم الجدران العالية.
ولا يطرق الأبواب عبثا.
في ليلة لم تشبه غيرها حين كان المطر يهطل بغضب كأنه يجلد الجبال وحين كانت الرياح تعصف بالمرتفعات بلا رحمة وجد أليخاندرو نفسه أمام حدث لم يكن في حساباته.
امرأة تقف عند عتبة بابه.
غريبة.
مرتجفة.
تبحث فقط عن مأوى من العاصفة.
اسمها إيلينا كاستيو.
لم تكن تعرف ولا هو كان يدرك أن تلك اللحظة العابرة ستشق صدوعا في الجدران السميكة التي بناها حول قلبه على مدى سنوات.
لم يخطر ببال أي منهما أن هذا اللقاء الذي بدأ بدافع النجاة من البرد سيقودهما إلى تحولات عميقة جميلة بقدر ما هي مؤلمة ومخيفة بقدر ما هي حتمية.
هذه لم تكن حكاية عشق تقليدية.
لم تبدأ بنظرات مسروقة أو وعود حالمة.
بل بدأت بتردد وخوف وحذر شديد من قلب تعلم أن يتوقع الأسوأ.
هي قصة عن هشاشة الإنسان حين يرغم على التظاهر بالقوة طوال الوقت.
عن الأحكام المسبقة التي تقال بنبرة لطيفة لكنها تجرح أكثر من الصراحة.
وعن الحب حين يصر على أن يزهر في أرض اعتبرها الجميع قاحلة.
كان أليخاندرو يبدأ نهاره عند السادسة صباحا بلا استثناء.
روتين صارم فرضه على نفسه كنوع من السيطرة على عالم طالما أفلت من يديه.
قهوة سوداء
كلاب التقطها من الشوارع في أوقات مختلفة وربما أحبها لأنه رأى في عيونها خوفا قديما يشبه خوفه وامتنانا صامتا لا يطلب تفسيرا.
منزله يبعد ساعتين كاملتين عن أقرب بلدة مأهولة.
ثماني سنوات قضاها هناك يكرس أيامه للعمل كمبرمج مستقل بعيدا عن المكاتب المزدحمة وعن نظرات الشفقة وعن الأسئلة التي لا تنتهي.
كان يحب العمل من عزلته فالشيفرات لا تحكم ولا تراقب طريقة مشيه ولا تتضايق من بطء حديثه.
في الأربعين كان جسده يروي قصته دون كلمات.
عرج دائم يرافق خطواته
ذراع يمنى تخونه في أبسط الحركات
ونبرة كلام غير مألوفة واضحة لمن ينصت لكنها كافية لأن تفقد الآخرين صبرهم سريعا.
كان يعرف ذلك.
كان يلتقط تنهداتهم المكتومة واستعجالهم لإنهاء الحديث ومحاولاتهم المتعثرة لإخفاء ضيقهم.
ومع هذا لم تكن الإعاقة هي الجرح الأعمق.
الجرح الحقيقي كان ما تراكم فوقها عبر السنين.
ذلك التذكير المستمر المباشر أحيانا والمبطن غالبا بأنه يجب أن يكون ممتنا لمجرد القبول لا أن يحلم بالحب.
كأن العاطفة ترف لا يمنح إلا لمن يطابق المعايير.
أشد تلك الندوب ألما تعود إلى الخامسة والعشرين من عمره.
حين كان يعمل في شركة تكنولوجيا بمدينة مكسيكو
وحين للمرة الأولى ظن أن أحدا يراه فعلا لا كحالة بل كإنسان.
كانت باتريسيا.
زميلة عمل ذكية ودودة لا تتعامل مع إعاقته كموضوع رئيسي.
أحاديث طويلة ضحكات
لأشهر سمح لنفسه أن يخطو خطوة صغيرة نحو الأمل.
وحين جمع ما تبقى لديه من شجاعة ودعاها إلى العشاء جاءه الرفض قاسيا لا في مضمونه فقط بل في منطقه.
لم يكن اعتذارا بل حكما نهائيا مغلفا باللطف
أليخاندرو أنت شخص رائع لكن لا أستطيع الارتباط بشخص مثلك.
ماذا سيقول الناس صديقاتي عائلتي
أتمنى أن تفهم.
وقد فهم.
فهم أكثر مما ينبغي.
فهم أن الإعجاب لا يصمد أمام نظرة المجتمع.
وأن الرائع لا يكفي حين تكون مختلفا.
في تلك اللحظة لم يغلق باب قلبه فحسب بل أغلق باب الاحتمال ذاته.
منذ ذلك اليوم أقنع نفسه أن الحب ليس نصيبه.
وأن الوحدة على قسوتها أرحم من أمل يمنح ثم يسحب بلا تردد.
وهكذا عاش حتى جاءت تلك الليلة العاصفة لتعيد فتح ما ظنه مغلقا إلى الأبد.
لكن تلك الليلة تحديدا
لم تكن العاصفة مجرد طقس سيئ.
كانت أشبه بخلل فادح في نظام الكون كأن السماء قررت فجأة أن تفرغ ما ادخرته من غضب دفعة واحدة فوق قمم الجبال.
الرعد لم يأت كصوت بل كاصطدام مباشر والرياح كانت تشق طريقها بين الأشجار بعنف هستيري كما لو أنها تبحث عن شيء ضاع منذ زمن طويل.
البيت الخشبي الذي بناه أليخاندرو ليكون خارج الحسابات خارج الخرائط وخارج العالم كان يرتجف مع كل هبة.
لا ارتجاف خوف بل اعتراف صامت بأن العزلة مهما بدت محكمة لا تعني الانفصال الكامل.
جلس قرب المدفأة يحدق في النار وهي تلتهم الحطب
كان يحب هذا المشهد.
النار لا تطرح أسئلة لا تفتش في