رجلٌ من ذوي الإعاقة عاش وحيدًا أربعين عامًا… إلى أن طلبت امرأةٌ ملجأً من العاصفة
الماضي لا تهتم بالتشققات.
كل ما تفعله هو الاحتراق ثم النهاية.
وتمنى ولو لوهلة لو أن الحياة تعمل بالقانون ذاته.
أغلق حاسوبه أبكر من المعتاد بساعتين.
لم يكن ذهنه مطيعا تلك الليلة.
الأفكار خرجت عن مسارها وشيء غامض بدأ يتحرك داخله إحساس قديم منسي لا يحمل اسما واضحا خليط من قلق وترقب كأن جسده تذكر شيئا لم يصل وعيه بعد.
ثم سمع الطرق.
في اللحظة الأولى أقنع نفسه بأنه وهم واحد من أصوات العاصفة المتعددة.
لكن الطرق عاد.
أوضح هذه المرة.
أقرب.
صوت إنساني أكثر مما ينبغي في ليلة كهذه.
اشتدت قبضته على ذراع الكرسي.
من قد يأتي إلى هنا
ومن يجرؤ على الصعود في هذا الطقس
نهض ببطء.
جسده لا يتحرك تلقائيا كل خطوة تحتاج قرارا مسبقا.
أمسك عصاه واتجه نحو الباب بينما استيقظت معه ذاكرة ثقيلة
أبواب فتحت لغيره
وأخرى أغلقت في وجهه
نظرات تقييم سريعة
صمت محرج
وأعذار ناعمة تخفي رفضا قاطعا.
توقف أمام الباب.
تردد.
الطرق هذه المرة كان أضعف متقطعا كأن اليد خلفه بدأت تفقد قدرتها على الرجاء.
فتح.
كانت المرأة أمامه تبدو كما لو أن العاصفة قذفت بها لتوها عند عتبته.
شعرها الداكن مبلل خصلاته تلتصق بوجهها ومعطفها عاجز عن حمايتها.
لكن عينيها رغم
تكلمت قبل أن يفعل وكأن الصمت أخافها أكثر من الرفض
أنا آسفة لم أقصد الإزعاج. سيارتي تعطلت أسفل الطريق والمطر لم أجد مكانا آخر. لو فقط أستطيع الانتظار هنا حتى تهدأ العاصفة.
لاحظ كيف شدت أصابعها طرف المعطف وكيف تجنبت عيناها التوقف عند ساقه.
عرف تلك الحركة.
عرف معناها.
انتظر السؤال.
انتظر التراجع.
انتظر تلك اللحظة المألوفة.
لكنها لم تأت.
بدلا من ذلك وجد نفسه يتنحى جانبا.
ادخلي البقاء في الخارج خطر.
حين دخلت تغير شيء في الهواء.
لم يكن تحولا صاخبا لكنه كان ملموسا.
البيت الذي اعتاد الصمت امتلأ فجأة بأنفاس أخرى برائحة المطر بحركة غير متوقعة.
اقتربت الكلاب بحذر شمت ثم قبلت وجودها دون تردد وهو ما لاحظه أليخاندرو بابتسامة خفيفة لم ينتبه إليها إلا بعد أن ظهرت.
ناولها منشفة.
زاد اشتعال المدفأة.
أعد لها شايا بالأعشاب دون أن يسألها عن تفضيلاتها كان ذلك ما يشربه دائما.
جلسا متقابلين.
المسافة قصيرة لكنها محملة بأشياء لم تقل.
قالت أخيرا
اسمي إيلينا.
تردد للحظة ثم قال
أليخاندرو.
كررت اسمه ببطء كأنها تحفظ نبرته لا حروفه.
بدأت تحكي عن نفسها
صحفية مستقلة كثيرة التنقل لا تحب الطرق السريعة تثق بالخرائط القديمة أكثر من التطبيقات الحديثة.
ضحكت حين قالت إنها غالبا ما تصل إلى قصص لم تكن تنوي البحث عنها.
قال دون تفكير
يبدو أن الطرق تعرفك.
نظرت إليه وأجابت بهدوء
أو ربما نحن من نعثر عليها.
امتد الليل.
واستمر المطر.
والحديث بدل أن يخفت ازداد عمقا.
لم تسأله عن إعاقته.
ولم يشعر بالحاجة إلى شرحها.
تحدثا عن الوحدة دون نبرة شفقة عن العمل خلف الشاشات عن الإحساس بأن العالم يركض بإيقاع لا يترك مساحة للاختلاف.
حين حدثها عن كلابه وعن كيف التقاهم في أسوأ لحظاتهم صمتت طويلا ثم قالت
ربما بعضنا لا ينقذ الآخرين بل يراهم فقط.
حين نهض ليضيف حطبا لاحظت توتره الخفيف فقامت فورا وأمسكت بالحطب قبله.
ما أزعجه لم يكن فعلها
بل أنه لم يشعر بالإهانة.
شعر بالامتنان.
في الثالثة فجرا هدأت العاصفة.
عرض عليها الغرفة الصغيرة.
وافقت.
قالت تصبح على خير.
ورد وأنت من أهله.
لكن النوم لم يأت.
عقله ظل يعيد تفاصيل دقيقة طريقة جلوسها صمتها حين يسترسل في الكلام عدم استعجالها لنهايات جاهزة.
خاف
ليس منها بل من ذلك الأمل الذي بدأ يتسلل دون استئذان.
استيقظ
ورائحة قهوة.
في المطبخ وجدها واقفة أمام النافذة تراقب الضباب وهو ينسحب ببطء عن الجبال.
كانت ترتدي قميصا له واسعا عليها لكنه بدا في مكانه الطبيعي.
التفتت وقالت
آمل أنني لم أتجاوز حدودي.
هز رأسه بهدوء
لم تفعلي.
ذلك اليوم لم يحمل أحداثا كبيرة.
لكنه حمل إحساسا جديدا بالوقت.
اتصل بميكانيكي من البلدة.
أصلحت السيارة جزئيا.
كان يمكنها الرحيل لكنها لم تفعل.
جلسا معا أكلا وتحدثا عن طفولته للمرة الأولى منذ سنوات.
عن أمه التي كانت تشرح له العالم بصبر لا ينفد
وعن أبيه الذي علمه أن القيمة لا تقاس بالسرعة.
عند الغروب قال فجأة بصوت خافت
أنا لا أعرف كيف أكون مع شخص آخر.
لم تسارع بالرد.
ثم قالت
ولا أنا لكننا هنا.
لم تعده بحب.
ولم تطلب ضمانات.
فقط بقيت.
غادرت في اليوم التالي.
لكن البيت لم يعد كما كان.
تبادلا الرسائل.
ثم المكالمات.
ثم اللقاءات.
لم يكن الطريق سهلا.
كان مربكا مليئا بالأسئلة وبمواجهة نظرات الآخرين وخوفه القديم وصوته الداخلي الذي لم يصمت بسهولة.
وفي إحدى لحظات الشك حين فكر في التراجع قالت له
أنا لا أراك شجاعا لأنك تتحمل
بل لأنك تسمح لنفسك أن ترى.
بعد عام عادت العاصفة.
لكن هذه المرة لم يكن
ولا هو.
جلسا معا يستمعان إلى المطر
لا كتهديد
بل كتذكير.
بأن الأبواب التي تفتح في العتمة
قد تغير العمر بأكمله.