كانت الخادمة تسمع همساتٍ غريبة تخرج من خلف الجدار كل ليلة

لمحة نيوز

لكنها لم تتخيل يوما أن ما تخفيه تلك الغرفة سيقلب حياة الملياردير رأسا على عقب
كانت الهمسات تتسلل في سكون الليل خافتة متقطعة كأن الجدار يتنفس أسرارا أقدم من المكان نفسه.
في كل مرة كانت تتوقف يتجمد قلبها بين الخوف والفضول غير مدركة أن لحظة اكتشاف واحدة فقط ستكون كفيلة بفتح باب لم يكن يجب أن يفتح باب سيغير مصير الجميع بلا استثناء.
عملت ليانا في قصر ألدريتش منذ ما يقارب العام عام كامل بدا لها أطول من أعمار متتالية.
كانت تمضي أيامها تتنقل بين الممرات الطويلة ذات السقوف المرتفعة حيث ينعكس ضوء الصباح على الثريات الكريستالية الضخمة فتبدو كأنها نجوم معلقة في الهواء.
كانت تنظفها بحذر شديد تمسح الغبار عن تحف نادرة ولوحات أصلية تعرف في قرارة نفسها أن الواحدة منها تساوي أكثر مما ستجنيه طوال حياتها مهما عملت وتعبت.
ومع كل مساء كانت تغادر القصر بصمت كأنها لم تكن يوما جزءا منه.
تعود إلى غرفتها الصغيرة في حي فقير على أطراف المدينة غرفة بالكاد تتسع لسرير وخزانة مهترئة.
كانت تحمل معها إرهاق الجسد وثقل يوم آخر قضته بين الفخامة

التي لا تخصها وأسئلة تتكدس في رأسها بلا إجابات لماذا كل هذا الصمت ولماذا يشعر هذا المكان رغم جماله بالبرودة والوحدة
كان صاحب القصر السيد ألدريتش رجلا منعزلا لا يظهر إلا نادرا حتى أن بعض الخدم لم يروه سوى مرات معدودة.
رجل تحيط به الشائعات كما تحيط الأسوار العالية بقصره ثروة هائلة لا يعرف مصدرها بدقة ماض غامض يتجنب الجميع الحديث عنه وطابق سفلي يضم غرفا مغلقة بإحكام لا يسمح لأحد بالاقتراب منها أو حتى السؤال عنها.
في إحدى الليالي وبينما كانت ليانا تنظف الطابق السفلي حيث الهواء أثقل والإنارة أضعف سمعت الصوت مجددا.
توقفت عن الحركة وأصغت.
لم يكن صرير أخشاب قديمة ولا حركة فئران تختبئ في الظلال.
كان صوتا مختلفا أقرب إلى بكاء مكتوم متقطع يختفي للحظات ثم يعود كأنه يتوسل ألا يسمع أو كأنه يخشى العقاب إن ارتفع أكثر.
تجمدت في مكانها وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
حاولت إقناع نفسها بأن الأمر مجرد وهم أو صدى خيال صنعه التعب لكن الصوت تكرر هذه المرة أوضح وأقرب وأكثر إنسانية.
قادها حدسها رغم خوفها إلى نهاية الممر حيث يقبع باب خشبي
قديم لم تلحظه من قبل.
باب لم يذكر في تعليمات العمل ولم يرد اسمه في تحذيرات المشرف الصارمة.
كان مقفلا لكن المفاجأة أن المفتاح كان معلقا في القفل وكأن أحدهم تعمد تركه هناك ينتظر يدا تتجرأ على إدارته.
ترددت ليانا.
كانت تعلم أن فتح هذا الباب قد يعني الطرد الفوري وربما ما هو أسوأ من ذلك بكثير.
لكن البكاء خلفه لم يكن صوت شيء عابر ولا حيوان ضال.
كان صوت إنسان صوت ألم حقيقي لا يمكن تجاهله.
مدت يدها المرتجفة وأمسكت بالمفتاح البارد ثم أدارته ببطء شديد.
صدر عن القفل صوت خافت إلا أنه بدا لها كأنه صدى مدو يتردد داخل صدرها.
حبست أنفاسها ودفعت الباب قليلا
وفي تلك اللحظة تجمد الهواء في رئتيها وتوقف قلبها عن الخفقان لثوان طويلة.
ما كان في الداخل لم يكن مجرد سر مخفي.
كان حقيقة مظلمة قاسية كتمت لسنوات وانتظرت طويلا من يكتشفها.
كانوا ثلاثة أطفال.
توقفت ليانا عند عتبة الغرفة وقد انعقد لسانها للحظة لا من الرعب بل من الدهشة.
لم يكن المشهد الذي أمامها يشبه ما توقعته طوال الطريق إلى هنا.
لم تكن غرفة مظلمة ولا مكانا مهجورا بل مساحة واسعة
نسبيا مضاءة بضوء دافئ نظيفة إلى حد يوحي بعناية مفرطة.
ثلاثة أطفال جلسوا أمامها في صمت تتفاوت أعمارهم بين السابعة والعاشرة ينظرون إليها كما تنظر إليهم بدهشة بريئة لا تعرف الخوف.
كانت أعينهم يقظة وملابسهم مرتبة ووجوههم خالية من أي أثر لإهمال أو قسوة.
تقدم الصبي الأكبر خطوة واحدة وقال بصوت خفيض لكنه متماسك
من أنت
استعادت ليانا أنفاسها وقالت بهدوء
أعمل في هذا القصر لم أكن أعلم أن أحدا يسكن هنا.
تبادلت الطفلة الوحيدة مع شقيقيها نظرة سريعة ثم قالت بنبرة هادئة
نحن هنا لأن أبي يخاف علينا.
ترددت الكلمة في رأس ليانا أبي.
السيد ألدريتش.
جلست على الكرسي القريب من الباب وقد أدركت أن رفع صوتها أو إظهار فزعها لن يفيد.
قالت برفق
مم يخاف
أجاب الصبي الأوسط وهو يضم يديه
من كل شيء تقريبا. من الناس من الطرق من الأمراض من الحوادث يقول إن العالم في الخارج مليء بالأخطاء.
نظرت ليانا إلى تفاصيل الغرفة مرة أخرى.
الكتب مصطفة بعناية شديدة الألعاب موضوعة في أماكنها بدقة الرسومات معلقة باستقامة غير معتادة في غرف الأطفال.
حتى الهواء بدا وكأن
أحدا يحرص على أن يبقى نقيا دائما.
قالت الطفلة بصوت
تم نسخ الرابط