كانت الخادمة تسمع همساتٍ غريبة تخرج من خلف الجدار كل ليلة

لمحة نيوز

خافت
أبي يأتي إلينا كل يوم. يجلس معنا يقرأ لنا ويطمئن علينا لكنه لا يسمح لنا بالخروج.
لم يكن في صوتها حزن بل تسليم كامل.
هؤلاء الأطفال لم يعرفوا سوى هذا العالم ولم يتعلموا بعد أن يقارنوه بغيره.
شعرت ليانا بشيء ينقبض في صدرها.
لم تر قسوة بل خوفا تضخم حتى أصبح جدرانا.
حين غادرت الغرفة أغلقت الباب خلفها ببطء وأعادت المفتاح إلى مكانه.
لكنها أدركت أن هذا الاكتشاف لن يغادرها بسهولة.
في الأيام التالية تغير كل شيء بالنسبة إلى ليانا دون أن يتغير شيء في القصر نفسه.
كانت تقوم بعملها المعتاد تنظف الممرات وتلمع الأسطح وتتحرك بصمت لكن عقلها كان يعود في كل مرة إلى الغرفة المخفية خلف الجدار.
بدأت تزور الأطفال في أوقات متباعدة بحذر شديد.
لم تكن تحمل معها أسئلة بل حضورا هادئا.
جلست معهم استمعت إلى أحاديثهم البسيطة وشاركتهم قراءة الكتب التي يحفظونها عن ظهر قلب.
كانت تلاحظ كيف يعرفون الكثير عن العالم
نظريا وقليلا عنه عمليا.
يعرفون أسماء المدن لكنهم لم يسيروا في شارع.
يعرفون شكل البحر من الصور لكنهم لم يلمسوا ماءه.
وذات مساء سألت الطفلة ليانا
هل الخارج مخيف حقا
ابتسمت ليانا ابتسامة مترددة ثم قالت
الخارج ليس آمنا تماما لكنه ليس مخيفا إلى هذا الحد أيضا. فيه أخطاء نعم لكنه مليء بالتعلم.
قال الصبي الأكبر بعد صمت
أبي يقول إن الخوف أفضل من الندم.
فهمت ليانا عندها الكثير.
السيد ألدريتش لم يكن رجلا شريرا بل أبا أنهكته فكرة الفقد.
خوفه لم يكن لحظة عابرة بل حالة دائمة نمت في داخله حتى صارت قراراته.
لم يمر وقت طويل حتى استدعاها إلى مكتبه.
جلس خلف مكتبه الضخم ونظر إليها طويلا قبل أن يقول
هل سمعت أصواتا في الطابق السفلي
رفعت رأسها بثبات وقالت
نعم وقلقت.
لم يغضب.
لم يرفع صوته.
بل أطرق رأسه وكأن السؤال كان اعترافا أكثر منه استجوابا.
قال بصوت منخفض
أنا لم أحتجزهم. أنا فقط حاولت أن أحميهم.
اقتربت
ليانا خطوة وقالت بهدوء
الحماية لا تعني أن نحرمهم من الحياة.
رفع عينيه إليها وفيهما خوف صادق خوف أب يرى العالم كمكان يهدد أبناءه في كل لحظة.
قال بعد صمت طويل
أخشى أن أخسرهم.
أجابته ليانا بلطف
وأنا أخشى أن تخسرهم وهم أحياء. يجب أن تخضع للعلاج قبل أن تخسرهم فعلا الى الابد
في تلك الليلة فتح أحد النوافذ المغلقة في القصر ودخل ضوء خافت لم يكن موجودا من قبل.
أحيانا لا يحتاج الخوف إلى صدمة كي يهدأ
بل إلى من يذكره بأن الحب إن تجاوز حده يتحول دون أن يشعر إلى قيد.
لم يحدث التغيير دفعة واحدة ولم يأت على هيئة قرار حاسم كما في القصص السريعة.
الخوف الذي سكن قلب السيد ألدريتش سنوات طويلة لم يكن ليغادر بين ليلة وضحاها لكنه للمرة الأولى اعترف بوجوده.
بعد أسابيع قليلة بدأ يستقبل طبيبا نفسيا في القصر في مواعيد ثابتة لا يراها أحد.
كان يجلس في المقعد ذاته يحدق في الفراغ ويتحدث عن أمور لم يجرؤ على تسميتها
من قبل
عن فقد قديم عن حادث لم ينس عن خوف تحول مع الوقت إلى يقين قاس بأن العالم لا يرحم.
تعلم ببطء مؤلم أن ما ظنه حماية لم يكن سوى محاولة يائسة للسيطرة على المجهول.
وتعلم أن أبناءه لا يحتاجون إلى جدران أعلى بل إلى ثقة أكبر.
لم تفتح الأبواب كلها دفعة واحدة.
بدأ الأمر بنوافذ تفتح في الصباح ثم بنزهات قصيرة في الحديقة تحت مراقبته القلقة ثم بخروج أول إلى الشارع كانت يده ترتجف فيه أكثر من أيديهم.
وكان الأطفال يتعلمون العالم خطوة خطوة كما يتعلم طفل المشي يتعثر ثم ينهض مبتسما.
أما ليانا فظلت حاضرة بصمتها المعتاد تراقب التحول دون أن تنسبه لنفسها.
كانت تعلم أن دورها لم يكن إنقاذا بل تذكيرا.
وفي إحدى الأمسيات وقف السيد ألدريتش عند باب الغرفة التي كانت يوما مخبأ ثم قال بصوت خافت كمن يعترف لنفسه
كنت أظن أن الخوف سيبقيني أبا صالحا لكنني تعلمت أن الشجاعة هي أن أسمح لهم بالحياة.
لم تكن نهاية كاملة
ولا شفاء تاما.
لكنها كانت بداية صحيحة.
وأحيانا هذا يكفي.

تم نسخ الرابط