رفض الأبناء الثلاثة مساعدة والدهم في سداد دَينٍ ضخم

لمحة نيوز

للدفع 
لكنني كنت أراها وهي تعد النقود بصمت تضعها في ظرف وتغلقه بعناية كأنها تخفي خوفها بداخله 
وفي إحدى المرات حين رأتني أفرغ جيبي من العملات القليلة المتبقية قالت 
لا تقلق لسنا فقراء نحن فقط نمر بمرحلة 
كنت أعرف أنها تكذب 
لكنني أحببتها أكثر لأنها فعلت 
أما إخوتي
فكانوا بعيدين 
يزورون أحيانا 
يجلسون دقائق 
يسألون عن صحة والدي 
ثم يغادرون 
لم يسأل أحدهم يوما عن الدين 
ولا عن العمل 
ولا عن حالنا 
وفي كل مرة كانوا يرحلون كان والدي يلتزم الصمت 
لكنني كنت أراه يراقب الباب بعد خروجهم
كأن شيئا في داخله يغلق معهم 
في الشهر السادس مرضت زوجتي 
إرهاق 
دوار 
طبيب قال تحتاج إلى راحة 
ضحكت بمرارة 
الراحة كانت أغلى
من الدواء 
وفي تلك الليلة حين ظنت أنني نائم سمعتها تبكي في المطبخ 
لم أخرج 
أحيانا يكون عدم الخروج هو الشيء الوحيد الذي نستطيع فعله 
مر الشتاء 
ثم الربيع 
بدأت أشعر أن الزمن يختبرني عمدا 
كلما سددت قسطا ظهر مصروف جديد 
كلما قلت اقتربنا ابتعد الهدف خطوة أخرى 
وفي أحد الأيام عدت إلى البيت متأخرا جدا 
وجدت والدي جالسا في الظلام 
لماذا لم تشعل الضوء سألت 
قال 
كنت
أفكر 
جلست بجانبه 
في ماذا
تردد ثم قال 
في الإخلاص 
نظرت إليه باستغراب 
ليس كل من يقول أنا معك يكون معك فعلا 
بعض الناس يحبك ما دمت قويا ويعتذر عندما تضعف 
لم أفهم لماذا قال ذلك في تلك اللحظة لكن كلماته علقت في ذهني 
في الشهر التاسع بعت بعض الأثاث 
لم نعد نملك إلا الضروري 
وفي المقابل صار والدي أكثر حضورا 
كان يساعد الأطفال في واجباتهم 
يعد لهم قصصا من الماضي 
وكانوا يحبونه حبا صافيا بلا شروط 
وفي إحدى الليالي قال لي 
أنت تعتقد أنك تضحي من أجلي لكنك في الحقيقة تعلم أبناءك درسا لن ينسوه 
سألته 
أي درس
أجاب 
أن العائلة تختبر في الضيق لا في الوفرة 
اقتربت نهاية السنة وكنت مرهقا إلى حد لم أعد أفرق فيه بين الأيام 
كنت أعد الشهور كما يعد السجين الأيام على الجدار 
ثم جاء اليوم الأخير من السنة 
لم أكن أعلم أنه لم يكن نهاية
بل بداية شيء آخر تماما 
بدأ الشهر العاشر بثقل مختلف 
لم يكن ثقل المال وحده بل ثقل الأسئلة التي بدأت تتكاثر في رأسي دون إجابات 
كنت أستيقظ أحيانا قبل المنبه لا لأنني نشيط بل لأن قلبي كان يسبقني إلى القلق 
أجلس على طرف السرير أراقب زوجتي وهي نائمة وأتساءل بصمت إلى متى
والدي كان
يستيقظ قبلي 
أراه في الفجر جالسا في الفناء يلف كتفيه بمعطفه القديم يحدق في السماء كمن ينتظر إشارة 
لم يعد يبدو رجلا منكسرا كما في البداية 
كان صامتا نعم
لكن صمته لم يعد صمت عجز بل صمت معرفة 
في أحد الأيام بينما كنت أرتب أوراق العمل لاحظت شيئا غريبا 
كان والدي يقلب دفترا قديما أوراقه صفراء وحوافه مهترئة 
ما شد انتباهي لم يكن الدفتر بل الطريقة التي كان يقرأ بها بتركيز رجل يحسب لا رجل يتذكر 
سألته 
ما هذا
أغلق الدفتر فورا 
أشياء قديمة 
لم يرفع نظره 
كانت تلك أول مرة أشعر فيها أن هناك شيئا لا أعرفه 
ليس عن الدين بل عنه 
في الأسبوع نفسه زارنا أخي الأكبر 
جلس على الأريكة شرب القهوة وتحدث عن إنجازات أبنائه 
لم يذكر والدي إلا بجملة عابرة 
الحمد لله أنه بخير 
راقبتهما من بعيد 
كان والدي ينظر إليه بهدوء نظرة لا لوم فيها ولا عتاب بل شيء أقرب إلى التقييم 
بعد أن غادر قال والدي 
هل تعلم ما الفرق بين من يعطي لأنه يستطيع
ومن يعطي لأنه يجب
قلت 
الأول كريم والثاني مسؤول 
ابتسم 
والثالث
أي ثالث
الذي لا يعطي لكنه ينتظر المكافأة 
لم أسأله 
لكن قلبي انقبض 
بدأت ألاحظ أشياء أخرى 
مكالمات قصيرة يتلقاها والدي
ثم يغلق بسرعة 
رسائل يقرأها ثم يحذفها 
زيارات خاطفة لأشخاص لا أعرفهم يأتون حين أكون في العمل ويغادرون قبل عودتي 
سألت زوجتي إن كانت لاحظت شيئا 
قالت 
هو هادئ لكن ليس ضعيفا 
كانت محقة 
في الشهر الحادي عشر انهارت سيارتي 
تكلفة الإصلاح كانت أكبر مما أملك 
وقفت في الورشة أحدق في الفاتورة كمن يحدق في حكم نهائي 
في تلك الليلة عدت إلى البيت مشيا 
وجدت والدي ينتظرني 
أين السيارة
قلت بصراحة 
تعطلت سأستقل الحافلة فترة 
نظر إلي طويلا ثم قال 
تعال معي 
أخرج مفتاحا قديما من جيبه وأشار إلى سيارة مركونة عند الزاوية 
سيارة متواضعة لكنها سليمة 
استخدمها 
قلت 
ومن أين
قاطعني 
لا تسأل 
كان صوته هذه المرة مختلفا 
حازما 
بدأ الشك يتسلل إلي 
كيف لرجل مثقل بدين 900000 أن يمتلك سيارة احتياطية
كيف له أن يدفع أحيانا مصروفات صغيرة دون أن يظهر القلق الذي أعيشه أنا
وفي ليلة باردة بينما كنت أراجع الحسابات سقط ظرف قديم من بين أوراق والدي 
لم أفتحه فورا 
لكن اسمي كان مكتوبا عليه بخط واضح 
أعدته مكانه 
يدي كانت ترتجف 
في اليوم التالي
مرض والدي فجأة 
نقلناه إلى المستشفى 
وقف إخوتي هناك قلقين
صامتين مرتبكين 
سمعت أخي الأوسط يهمس للآخر 
إن حدث له شيء فالدين
شعرت بالغثيان 
عاد والدي إلى البيت بعد أيام 
أضعف
تم نسخ الرابط