كاتالينا تزوّجت صاحب أكبر ضيعة «بعقد» لإنقاذ خالتها… لكن ما اكتشفته عن ابن عمّه قلب الوادي كله!

لمحة نيوز

كاتالينا تزوجت صاحب أكبر ضيعة بعقد لإنقاذ خالتها لكن ما اكتشفته عن ابن عمه قلب الوادي كله!
في عام 1892 كان وادي المرج الأزرق يستيقظ كل صباح على رائحة الطين المبتل وزهر الشيح البري. تحيط به تلال متموجة كأنها ظهور نائمة تحرس القرية الصغيرة من غدر الريح. عند أطراف الوادي وعلى مسافة خطوات من الطريق القديم الذي تمر به القوافل قام بيت طيني متواضع سقفه من جذوع النخل وسعف يابس لا يميزه عن غيره سوى نافذة وحيدة تطل على الشرق.
هناك كانت سلمى تبدأ يومها قبل أن يفتح الضوء عينيه.
فتحت عينيها ببطء لا منبه يوقظها بل عادة قديمة علمت جسدها أن يسبق الشمس. كانت في الثانية والعشرين نحيلة ذات كفين تعرفان القماش كما تعرفان الألم. أصابعها دقيقة قاسية من كثرة الإبر قادرة على أن تحول قطعة مهملة إلى ثوب يصلح للحياة.
في ذلك الفجر كان الصمت كثيفا. أشعلت سلمى المصباح الزيتي عدلت وشاحها الصوفي وجلست قرب الطاولة الخشبية الصغيرة. أمامها ثوب رمادي لزوجة تاجر من

شمال الوادي. غرزة بعد غرزة كانت تخيط وكأنها تربط يومها بيوم آخر مقاومة الجوع الذي يطوف حول البيت كضيف ثقيل لا يرحل.
ومن الغرفة الخلفية خرج صوت سعال أجش رطب كأنه اقتلاع من الصدر.
توقفت سلمى. وضعت الإبرة جانبا ونهضت تمشي حافية فوق الأرض المدكوكة. في الغرفة الضيقة كانت خديجة جالسة على السرير ظهرها محني تمسك منديلا أبيض قرب فمها. حين أنزلته ظهرت بقعة داكنة صغيرة لكنها كافية لإخافة القلب.
لا تتحركي يا خالتي همست سلمى وهي تغطي كتفيها. ليس اليوم.
نظرت إليها خديجة بعينين لا تزالان حادتين رغم الوهن. كانت يوما ما معلمة في الكتاب تعرف القراءة والحساب وتعرف الناس. وحين فقدت سلمى والديها في وباء واحد التقطتها خديجة كما تلتقط ابنة القلب وربتها دون أن تشتكي.
أنا بخير يا ابنتي قالتها بابتسامة كاذبة تعرفانها الاثنتان.
الطبيب الجوال الذي مر منذ أشهر قال كلاما غامضا عن الصدر والتعب ولم يسم المرض. لكنه سمى الثمن. أدوية زيارات أعشاب لا تنتهي وكل ذلك
أكثر مما تستطيع سلمى تحمله حتى لو خاطت أعمار الوادي كلها.
عادت سلمى إلى يومها. سخنت شاي الزعتر قطعت الخبز شرائح رفيعة لتدوم أطعمت الدجاج وسقت رقعة الأرض الصغيرة حيث تنمو القرعيات والنعناع. ثم جلست من جديد أمام الثوب. أحيانا كانت ترفع رأسها نحو الطريق ترى العربات تمر محملة بأناس لهم حيوات لا تشبه حياتها كأنهم قادمون من عالم أعلى.
مع الغروب حين صار الضوء ذهبيا والغبار معلقا في الهواء كحلم أدركت سلمى الحقيقة التي تؤجلها منذ أيام الدواء أوشك على النفاد. أسبوع وربما أقل.
في تلك الليلة أخرجت دفترا قديما تخبئه تحت الفراش. كانت خديجة تقول دائما إن الكتابة تبقي الروح حية. كتبت سلمى عن الخوف عن العجز الذي يتسلل إلى العظام حين تحب إنسانا ولا تملك إنقاذه.
لم تكن تعلم أن الريح التي تهبط من أعلى الوادي تحمل قدرا آخر مطويا بعناية.
على بعد نصف ساعة سيرا ارتفعت دار آل ناصر أكبر ضيعة في المرج الأزرق. ممراتها حجرية أبوابها عالية وصمتها ثقيل كحداد.

كان عبد الرحمن الناصر يسير وحده في الرواق الطويل. بلغ الخامسة والأربعين عريض الكتفين ملامحه قاسية من الخارج وفي عينيه حزن قديم لم يغادر. منذ وفاة زوجته ليلى قبل أربع سنوات صار البيت واسعا أكثر مما ينبغي فارغا من الصوت.
كان زواجهما ترتيبا بين عائلتين لا حبا ولا خصاما. عاشا باحترام بارد وحين ماتت بحمى مفاجئة لم يبك عليها بل بكى الفراغ الذي تركته.
والأقسى لم تترك له طفلا.
ابن عمه سامي الناصر كان ينتظر. مقامر مديون يبتسم كثيرا أكثر مما ينبغي. الجميع يعرف إن آلت الضيعة إليه فلن يبقى منها شيء.
قبل أسابيع قال الطبيب يوسف الحداد كلمته الثقيلة
كبدك متعب يا عبد الرحمن. الوقت ليس في صفك.
ثمانية أشهر ربما أقل.
في تلك الليلة ولدت الفكرة. لم تكن جميلة لكنها كانت ضرورية. يحتاج إلى وريث. بسرعة. دون عاطفة. دون انتظار.
راقب نساء الوادي. لم تناسبه واحدة. لا يريد زوجة تأتي معها مطالب العائلات. يريد امرأة تعرف الحياة وتعرف الرحمة.
ثم رآها.
كانت سلمى
تعمل في مطبخ الضيعة يوما
تم نسخ الرابط