ميكانيكي خسر عمله لأنه أنقذ طفلة… وفي اليوم التالي صُدم بما حدث أمام منزله!
ميكانيكي خسر عمله لأنه أنقذ طفلة وفي اليوم التالي صدم بما حدث أمام منزله!
لم يكن حر الرياض في ذلك اليوم مجرد حالة مناخية بل اختبارا قاسيا للاحتمال الإنساني. كانت الشمس معلقة في كبد السماء كجمر لا يخبو ترسل سهامها الحارقة على الطرقات والمباني والمصانع حتى بدا الهواء نفسه متعبا ثقيلا يستنشق بصعوبة.
في المنطقة الصناعية جنوب المدينة حيث تتراكم الورش والمستودعات بلا ظل أو رحمة كانت ورشة الشمري للسيارات تعيش ذروة يوم خانق.
داخل الورشة امتزجت رائحة الزيت المحترق بالمعدن الساخن وعرق الرجال. مراوح السقف كانت تدور بكسل لا تدفع سوى هواء أكثر حرارة. عند الرافعة الخلفية كان ناصر بن فهد ممددا تحت سيارة دفع رباعي قديمة يحاول منذ ساعات فك قطعة عنيدة في ناقل الحركة.
كان جسده منهكا. ساعداه مليئان بالخدوش ويداه مسودتان بالشحم وقميصه الأزرق ملتصقا بظهره من العرق. أمضى ناصر سبع ساعات متواصلة في العمل دون استراحة حقيقية ومع ذلك لم يتوقف ولم يتذمر. لم يكن التذمر رفاهية يملكها.
من باب المكتب الزجاجي المكيف خرج صوت حاد شق ضجيج الورشة
ناصر! إلى متى ستظل تحت هذه السيارة الزبون سيصل بعد أقل من ساعة!
كان الصوت ل سالم الشمري مالك الورشة. رجل في الخمسين أنيق المظهر دائما لا يعرف الحر إلا
زحف ناصر خارج السيارة ومسح جبينه بظهر يده تاركا خطا داكنا من الزيت على بشرته السمراء.
أوشكت على الانتهاء يا أستاذ سالم. بقي مسمار واحد فقط.
نظر سالم إلى ساعته الفاخرة وقال ببرود
لا أريد أعذارا. أريد نتائج. تذكر أن غيرك كثير ومنهم من يقبل بأجر أقل.
أومأ ناصر بصمت. كان يعلم أنه أفضل فني في الورشة وأن سالم يعرف ذلك لكنه كان يعلم أيضا أن الحاجة تكسر الظهر.
كان في الأربعين من عمره متزوجا من ريم وأبا لطفلين فهد الذي بدأ يسأل عن دروس خصوصية ونورة التي تعاني من ربو يحتاج علاجا دائما. قسط الشقة مصروف البيت والديون الصغيرة كلها قيود تلتف حول عنقه بلا رحمة.
عاد ناصر إلى العمل وهو يردد في داخله
تحمل من أجلهم فقط.
عند العصر خف ضجيج الورشة قليلا. خرج ناصر إلى الخارج ليشرب ماء من المبرد القريب. كان الشارع شبه خال لا يمر فيه سوى شاحنات متقطعة.
وهنا رآها.
في البداية ظنها وهما صنعته الشمس. طفلة صغيرة تسير ببطء على الرصيف المقابل ترتدي زيا مدرسيا تنورة كحلية وقميصا أبيض. كانت تمشي مترنحة كأن قدميها لا تحملانها.
تجهم وجه ناصر. لم تكن هناك مدارس قريبة.
راقبها لثوان ثم رأى
توقفت الطفلة فجأة وضعت يدها على صدرها ثم سقطت أرضا بلا صوت كأن الحياة انسحبت منها دفعة واحدة.
يا الله!
ترك ناصر زجاجة الماء واندفع نحو الشارع. أطلقت سيارة مسرعة بوقها غاضبة وهو يعبر الطريق لكنه لم يتوقف.
وصل إليها فانحنى بسرعة. كانت ممددة على ظهرها بشرتها شاحبة على غير العادة وشفاهها تميل إلى الزرقة.
لم يكن صدرها يرتفع إلا بصعوبة.
اسمعيني يا صغيرة هل تسمعينني
لم تجب.
لمس جبينها فشعر بحرارة مرتفعة لكنها كانت رطبة بشكل مقلق. وضع أصابعه على عنقها النبض سريع وضعيف.
رفع رأسه وصاح بأعلى صوته
اتصلوا بالإسعاف!
نظر حوله فوجد رجلين يقفان عند مستودع قريب يراقبان المشهد دون حركة.
الآن! لا تقفوا هكذا!
أخرج أحدهما هاتفه بتردد لكن ناصر كان يعرف الحقيقة. الإسعاف في هذه المنطقة قد يتأخر والوقت ينفد بسرعة مرعبة.
نظر إلى الطفلة مرة أخرى. صدرها يرتجف وأنفاسها تتقطع.
اتخذ قراره.
حملها بين ذراعيه فشعر بخفة جسدها وكأنها ريشة. ركض بها نحو شاحنته القديمة المتوقفة قرب الورشة.
وقبل أن يفتح الباب جاءه الصوت الذي كان يخشاه
ناصر! ماذا تفعل!
استدار فرأى سالم الشمري واقفا عند مدخل الورشة وجهه محمر من الغضب وعيناه لا تحملان أي قلق على الطفلة بل على العمل المتعطل.
هذه طفلة
تقدم سالم ببطء وقال ببرود
هذا ليس شأنك. لديك عمل لم تنته منه. إن غادرت الآن فلا تعد.
إنها حياة إنسان! صرخ ناصر. إنها طفلة!
اقترب سالم أكثر وخفض صوته تهديدا
إن صعدت إلى الشاحنة فأنت مفصول وسأتأكد أنك لن تعمل في أي ورشة في هذه المدينة.
توقف الزمن.
نظر ناصر إلى الطفلة بين ذراعيه ثم رأى في خياله وجه نورة الصغيرة وهي تتنفس بصعوبة ليلا وسمع صوت فهد وهو يسأله بابا متى تعود
ثم شعر بجسد الطفلة ينتفض فجأة وخرج منها نفس متقطع كأنها تودع الحياة.
رفع ناصر رأسه وقال بصوت لم يعرفه من قبل
افعل ما تشاء.
فتح باب الشاحنة وضع الطفلة بحذر وأدار المحرك.
وخلفه كان شيء ما ينكسر إلى الأبد.
اندفعت شاحنة ناصر القديمة عبر شوارع الرياض كأنها تفر من قدر يلاحقها. كانت الشمس تميل نحو الغروب لكنها لم تفقد حدتها وظل الإسفلت يلفظ حرارة خانقة تتسلل حتى إلى داخل المقصورة. أمسك ناصر المقود بيد وبالأخرى ثبت رأس الطفلة الصغيرة التي بدأت أنفاسها تتقطع بشكل مخيف.
تمسكي بالله عليك تمسكي كان يردد بصوت مرتجف كأن الكلمات وحدها قادرة على إبقائها حية.
نظر إلى المرآة الأمامية فشاهد وجوه السائقين الغاضبة أبواق السيارات إشارات المرور التي بدت له بطيئة بشكل قاتل.