ميكانيكي خسر عمله لأنه أنقذ طفلة… وفي اليوم التالي صُدم بما حدث أمام منزله!
المحتويات
وبين النجاة.
زاد من سرعته وتجاوز السيارات من كتف الطريق. كان قلبه يخفق بعنف وعرقه يختلط بزيت يديه وداخله سؤال واحد يتردد بلا توقف
هل أصل في الوقت المناسب
فجأة ارتجف جسد الطفلة بين ذراعيه ثم سكن.
لا لا لا!
ضرب ناصر المقود بيده ثم ضغط على المنبه بجنون.
في الأفق لمح دورية للمرور تقف قرب تقاطع رئيسي. بدل أن يخفف السرعة أضاء المصابيح واندفع نحوها. خرج الشرطي رافعا يده لكن ناصر أنزل النافذة وهو يصرخ
طفلة تحتضر! أرجوك إلى المستشفى!
اقترب الشرطي ونظر إلى داخل الشاحنة. لم يحتج إلى سؤال. رأى وجه الطفلة الشاحب وشفتيها المزرقتين.
اتبعني! قال بحزم وهو يركض نحو سيارته.
انطلقت الصفارة وانشق الزحام. شعر ناصر لأول مرة منذ دقائق بأن هناك من يقف إلى جانبه في هذه المعركة.
وصلوا إلى مستشفى الملك سعود في وقت بدا لناصر أقرب إلى المعجزة. أوقف الشاحنة عند مدخل الطوارئ وقفز منها حاملا الطفلة ودخل مسرعا.
طبيب! أحتاج طبيبا فورا!
اندلع الاضطراب. ركضت ممرضتان ومعهما نقالة وانتزعتا الطفلة من ذراعيه وبدأت الأوامر تتطاير.
قناع أكسجين!
اضغطوا هنا!
إلى الإنعاش فورا!
وقف ناصر للحظة مشدوها ثم وجد نفسه وحيدا في الممر. الصمت هبط فجأة ثقيلا حتى صار يسمع دقات قلبه بوضوح. نظر إلى يديه المتسختين إلى ملابسه الملطخة
كان الناس يحدقون فيه. بعضهم بنفور بعضهم بفضول.
لكنه لم ير أحدا.
جلس على كرسي بلاستيكي قرب الجدار وأسند رأسه إلى الحائط.
حينها فقط انهار.
بكى بصمت. بكاء رجل يعرف أنه خسر عمله وربما خسر استقرار أسرته ولا يعرف إن كان قد ربح حياة.
مرت الدقائق بطيئة ثم الساعات. لم يخرج أحد ليخبره شيئا.
لم يكن يعرف اسم الطفلة ولا من أين جاءت ولا لماذا كانت وحيدة في ذلك المكان.
هل فعلت الصواب
سؤال بدأ ينهش عقله.
تخيل ريم زوجته وهي تنظر إليه بقلق.
تخيل فهد ونورة.
تخيل البيت بلا راتب.
وفجأة انقلب الهدوء فوضى.
دخل زوجان مسرعين إلى الطوارئ. كان الرجل طويل القامة أنيقا على نحو لافت يرتدي ثوبا ناصعا وساعة باهظة الثمن. كانت المرأة بجانبه شاحبة تبكي دون توقف.
أنا راشد العتيبي! قال الرجل بصوت مبحوح. أين ابنتي مريم
توقف قلب ناصر لحظة.
اسم الطفلة مريم.
سمع الاسم يدق في رأسه. راشد العتيبي الاسم لم يكن غريبا. كان قد رآه في الأخبار في تقارير اقتصادية في إعلانات ضخمة على الطرق السريعة. أحد كبار رجال الأعمال في قطاع النقل والصناعة.
خرجت طبيبة وتحدثت إليهما بصوت منخفض. وضعت الأم يدها على فمها وكادت تنهار. ثم أشارت الطبيبة نحو ناصر.
التفت راشد ونظر إليه نظرة فاحصة. لم تكن نظرة
تقدم نحوه.
نهض ناصر مرتبكا ومسح يديه في بنطاله بلا جدوى.
هل أنت من أحضر ابنتي سأل راشد.
نعم وجدتها في المنطقة الصناعية. كانت مغمى عليها.
تنفس راشد بعمق ثم قال بصوت مكسور
الأطباء قالوا إنك وصلت في اللحظة الأخيرة. مريم تعاني من مشكلة قلبية لم نكن نعرفها. ضربة الحر كادت توقف قلبها نهائيا.
اقتربت الأم فجأة واحتضنت ناصر دون تردد.
شكرا شكرا لأنك أنقذت حياتي كلها.
تجمد ناصر ثم ربت على كتفها بخجل.
فعلت ما يجب قال بهدوء.
أخرج راشد دفتر شيكات وكتب رقما ثم مد الورقة.
هذا أقل ما يمكن.
نظر ناصر إلى الرقم وشعر بأن الأرض تميد تحته.
كان كافيا ليغير كل شيء.
لكنه أعاد الشيك.
لا أستطيع قال بثبات. لم أفعل ذلك من أجل المال.
ساد صمت ثقيل.
إذا لماذا سأل راشد.
أجاب ناصر ببساطة
لأنها كانت تحتاج من ينقذها.
نظر راشد إليه طويلا وكأن شيئا ما انكسر داخله أو استيقظ.
هل تعمل قرب المكان الذي وجدتها فيه
انخفض بصر ناصر.
كنت أعمل. فصلت اليوم.
تبدلت ملامح راشد فورا.
فصلت لماذا
لأنني غادرت العمل لإنقاذ ابنته أقصد لإنقاذ طفلة.
لم يقل راشد شيئا. أخرج هاتفه واتصل وقال بهدوء مخيف
أريد كل شيء عن ورشة الشمري. الآن.
ثم التفت إلى ناصر.
عد إلى بيتك. اعتن بأسرتك. الغد لن يكون كما اليوم.
خرج راشد وبقي ناصر واقفا لا يعرف إن كان ما حدث حلما أم بداية شيء أكبر مما يتصور.
لم يذق ناصر طعم النوم تلك الليلة.
عاد إلى بيته متعب الجسد مشتعل الفكر كأن عقله يرفض أن يهدأ قبل أن يفهم ما الذي ينتظره. جلست ريم قربه تنظر إلى وجهه المرهق ولم تكثر من الأسئلة. كانت تعرف أن بعض الصمت أبلغ من أي حديث.
عدت متأخرا قالت بهدوء.
كان يوما طويلا أجاب ثم صمت.
لم يخبرها بكل شيء. اكتفى بأن قال إنه أنقذ طفلة وإن الله سلم.
لكن قلبه ظل معلقا بكلمات راشد العتيبي
الغد لن يكون كما اليوم.
في الصباح استيقظ على رنين هاتفه.
رقم غير مسجل.
ناصر الشمري
نعم.
معك مكتب راشد العتيبي. الأستاذ راشد يود مقابلتك اليوم في تمام الحادية عشرة.
شعر ناصر بأن الهواء يثقل في صدره.
أين
في مقر الشركة الرئيسي.
أغلق الهاتف وبقي جالسا للحظة.
نظرت إليه ريم وفهمت من ملامحه أن شيئا غير عادي يحدث.
خير
لا أعلم لكني سأذهب.
ارتدى ثوبه النظيف الوحيد ومضى.
كان مبنى الشركة شامخا زجاجيا يعكس صورة مدينة لا تشبه حياة ناصر بشيء. دخل بخطوات مترددة وقاده موظف إلى مكتب فخم في الطابق العلوي.
وقف راشد العتيبي قرب النافذة ظهره إلى الداخل. بدا أطول وأكثر هيبة مما رآه في المستشفى.
تفضل قال دون أن يلتفت.
جلس ناصر ووضع يديه على ركبتيه.
استدار راشد
قضيت الليل أفكر فيك.
تفاجأ ناصر.
ليس في إنقاذك لابنتي فقط بل في قرارك
متابعة القراءة