«اشفِني، وستكون ثروتي كلّها لك»، أعلن الملياردير… ثم دعا ابنُ العامل الصغير، فتغيّر كلّ شيء
«اشفِني، وسأجعل ثروتي كلها بين يديك»
قالها رجل ظنّ يومًا أن المال يفتح كل الأبواب… حتى ظهر طفل صغير، فاختلّت موازين حياته كلها.
كان سليم الراشد يجلس وحده في طرف الحديقة الواسعة، وقد توقّف كرسيّه المتحرّك عند نهاية الممرّ الحجري. الليل يهبط ببطء، والهدوء يضغط على صدره، بينما تنساب الدموع على وجهه دون مقاومة، كأن حزنًا قديمًا وجد أخيرًا طريقه إلى الخروج.
لم يتذكّر متى بكى آخر مرة… لكنه كان متأكدًا أنه لم يبكِ هكذا من قبل.
جاءه صوت خافت من الخلف، يحمل براءة لم يعتد سماعها:
— «عمّي… هل أنت حزين؟»
أغمض عينيه للحظة، ثم قال بصوت متعب:
— «لأنني لن أقف على قدميّ مرة أخرى، يا صغيري.»
اقترب الطفل، لم يتجاوز السادسة، ومدّ يده الصغيرة ووضعها على ساقه بحذر شديد، كأنه يلمس شيئًا ثمينًا.
— «هل تسمح لي أن أدعو لك؟»
تجمّدت مريم، عاملة النظافة ووالدة الطفل، في مكانها. اتسعت عيناها دهشة، وشعرت بالخوف معًا. لم تتخيّل يومًا أن يقف ابنها بهذا القرب من الرجل الذي لا يقترب
كان سليم الراشد، في الثالثة والثلاثين من عمره، واحدًا من أشهر رجال الأعمال في المدينة. شركاته تمتد في كل اتجاه، وحسابه المصرفي لا يعرف حدودًا. ومع ذلك، لم يستطع أن يشتري لنفسه خطوة واحدة.
حادث قديم سرق منه الحركة، وأطباء كثيرون قالوا له الجملة ذاتها:
لا أمل في الشفاء.
أما الطفل، ياسر، فكان يعيش مع والدته في غرفة صغيرة خلف القصر الكبير، غرفة لا تدخلها الشمس إلا نادرًا. كانت مريم تعمل لساعات طويلة، تنظّف الرخام اللامع وتلمّع الذهب، ثم تعود آخر الليل لتحتضن ابنها، دون أن تمتد تلك الثروة إليهما بشيء.
في ذلك المساء، عاد سليم إلى القصر قبل موعده المعتاد، وهو أمر لم يفعله منذ زمن. طلب أن يُترك وحده، ودفع كرسيّه نحو الحديقة. جلس طويلًا، تحيط به الأزهار، لكنه لم يشعر بعطرها.
كان ينهار بصمت… ليس ضعفًا، بل تعبًا من الانتظار.
وفي اللحظة التي ظنّ فيها أن الوحدة قد انتصرت عليه…
دخل ياسر إلى عالمه.
لم يكن دخوله
لم يقل سليم شيئًا.
لكن صمته كان موافقة.
جلس الطفل على الأرض أمامه، متربّعًا، كما اعتاد أن يفعل بجوار أمّه قبل النوم. أغمض عينيه بشدّة، وضغط كفّيه الصغيرتين معًا، ثم همس بصوت بالكاد يُسمَع:
— «يا رب… خلي عمّي يقوم تاني. مش علشان يبقى غني… علشان ما يزعلش.»
لم يفهم سليم لماذا ارتجف صدره فجأة.
لم تكن الكلمات معجزة، ولم يكن الدعاء طويلًا، لكنه شعر كأن أحدهم طرق بابًا داخله كان مغلقًا منذ زمن طويل.
فتح ياسر عينيه، ونظر إليه بابتسامة خجولة.
— «أنا خلّصت.»
لم يعرف سليم ماذا يقول.
الرجال الذين اعتاد مقابلتهم كانوا يعرضون عليه أموالًا، أجهزة، وعودًا علمية معقّدة. أمّا هذا الطفل، فلم يعرض شيئًا… فقط دعا.
اقتربت مريم بخطوات مترددة، وقد غمرها القلق.
— «آسفة يا سيدي، لم أقصد…»
رفع سليم يده، مقاطعًا إياها بهدوء لم تعهده منه.
— «دعيه.»
ثم نظر إلى الطفل مجددًا.
— «هل تفعل هذا دائمًا؟»
هزّ ياسر رأسه.
— «أدعو لكل اللي زعلانين.»
ابتسم سليم ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت.
في تلك الليلة، لم يطلب سليم العشاء في غرفته كما اعتاد. جلس في الصالة الكبرى، وحين مرّت مريم لتنهي عملها، طلب منها أن تجلس.
كان الطلب صادمًا.
— «منذ متى تعملين هنا؟»
— «منذ خمس سنوات، يا سيدي.»
— «وياسر؟»
— «وُلد بعد عام من مجيئي.»
سكت قليلًا، ثم قال:
— «لماذا لم تغادري؟»
خفضت عينيها.
— «لأن العمل هنا… آمن.»
لم تسأله عن حاله، ولم تُظهر شفقة. فقط أجابت.
في الأيام التالية، بدأ شيء غريب يحدث.
سليم صار يخرج إلى الحديقة أكثر.
صار يطلب رؤية ياسر، لا كل يوم، لكن على فترات.
كان يستمع إليه وهو يحكي عن مدرسته، عن أحلامه الصغيرة، عن رغبته أن يصبح “طبيبًا يُصلح الأرجل”.
وفي كل مرة، كان يضحك… ضحكة حقيقية، لا تلك التي كان يوزّعها في الاجتماعات.
بعد أسبوعين،
— «أريد إعادة الفحوصات.»