«اشفِني، وستكون ثروتي كلّها لك»، أعلن الملياردير… ثم دعا ابنُ العامل الصغير، فتغيّر كلّ شيء
رفع الرجل حاجبيه بدهشة.
— «الأطباء قالوا…»
— «أعلم ما قالوه.»
توقّف لحظة، ثم أضاف:
— «لكنني أريد أن أحاول مرة أخيرة.»
لم يخبر أحدًا عن الدعاء.
لكنه كان حاضرًا في ذهنه، في كل جلسة علاج، في كل تمرين مؤلم.
وذات مساء، بينما كان ياسر يلعب تحت شجرة الليمون في الحديقة، شعر سليم بشيء لم يشعر به منذ عامين…
وخزة خفيفة.
ضعيفة… لكنها موجودة.
لم تكن خطوة.
لكنها كانت إحساسًا.
وفي تلك اللحظة، أدرك أن المعجزة — إن حدثت —
لن تبدأ من قدميه…
بل من قلبه.
لم يخبر سليم أحدًا عمّا شعر به تلك الليلة.
لم يشأ أن يمنح الأمل اسمًا قبل أن يتأكد أنه حقيقي، فقد تعلّم من سنوات الألم أن التعلّق بوهمٍ جديد أقسى من الاستسلام القديم.
في الصباح، استيقظ مبكرًا على غير عادته. ظلّ جالسًا على السرير دقائق طويلة، يراقب قدميه في صمت. لم تتحرّكا، ولم يحدث شيء خارق، لكن الإحساس الخافت الذي شعر به بالأمس لم يختفِ. كان موجودًا، كذكرى قريبة لا تزال دافئة.
استدعى طبيبه الخاص، لا بنبرة الملياردير الآمر، بل بصوت هادئ.
— «أريد إعادة كل الفحوصات… من البداية.»
حاول الطبيب أن يشرح، أن يذكّره بالتقارير القديمة، بالرنين المغناطيسي، بالكسور، بالأعصاب التالفة. لكن سليم أوقفه بإشارة بسيطة.
— «أعلم كل ذلك. لكنني تغيّرت… وأريد أن أجرّب.»
لم يفهم الطبيب ما قصده، لكنه وافق.
في الأيام التالية، تحوّل القصر إلى مكان مختلف. لم تعد الحديقة مجرّد مساحة صامتة، بل صارت مسرحًا للجلوس الطويل، ولأحاديث بسيطة لم يكن سليم يظنّ يومًا أنه يحتاجها.
كان ياسر يأتي بعد انتهاء دراسته، يجلس بجواره، ويحكي له عن يومه. عن صديقٍ تشاجر معه ثم تصالح، عن واجبٍ لم يفهمه، وعن حلمه أن يصبح طبيبًا «يعالج الناس من غير ما يوجعهم».
كانت تلك الجمل الصغيرة تفعل ما لم تفعله سنوات من العلاج النفسي.
أما مريم، فكانت تراقب المشهد من بعيد. لم تطلب شيئًا، ولم تتقرّب أكثر من اللازم. كانت تخشى أن يكون هذا الاهتمام مؤقتًا،
سليم لم يعد الشخص ذاته.
بعد شهر، جاءت نتائج الفحوصات الجديدة.
لم تكن معجزة طبية، لكن الطبيب قال جملة لم تُقل منذ عامين:
— «هناك استجابة… بسيطة، لكنها حقيقية.»
ساد الصمت.
لم يبكِ سليم.
لم يضحك.
أغمض عينيه فقط، وتنفّس بعمق.
بدأ برنامج علاج جديد.
كان مؤلمًا، مرهقًا، ومليئًا بالإحباط. سقط أكثر من مرة، وفشل في تحريك قدميه مرات لا تُحصى. لكن هذه المرة، لم يكن وحيدًا.
كان ياسر ينتظره كل مساء، يسأله:
— «تعبت؟»
فيجيبه بابتسامة صادقة:
— «نعم… لكنني سأكمل.»
وذات مساء، حدث ما لم يكن أحد يتوقعه.
أثناء جلسة تدريب شاقة، طلب سليم من الجميع الخروج… إلا ياسر.
— «أريدك هنا.»
وقف الطفل قريبًا، وعيناه تلمعان.
أمسك سليم بمقابض المشاية، شدّ جسده بكل ما يملك من قوة، وتقدّم خطوة… واحدة فقط.
لم تكن ثابتة، ولا جميلة، لكنه لم يسقط.
شهق الجميع.
أما ياسر، فصفّق بكل ما أوتي من حماس،
تلك الليلة، لم ينم سليم.
ليس من الألم… بل من الامتنان.
بعد أسابيع، استدعى محاميه.
قال له بهدوء:
— «أريد إنشاء مؤسسة علاجية… مجانية. باسم ياسر.»
تردّد المحامي.
— «وهل تريده وريثًا؟»
ابتسم سليم ابتسامة هادئة.
— «لا. أريده سببًا.»
لم تتغيّر حياة مريم فجأة، ولم تنتقل إلى القصور، لكنها انتقلت من الهامش إلى النور. حصلت على عمل كريم، وسكنٍ لائق، دون شعور بالمنة أو الإذلال.
أما سليم، فاستمر في العلاج.
لم يعد يجلس على الكرسي طوال الوقت.
خطواته كانت بطيئة، لكنها حقيقية.
وفي يوم مشمس، وقف في الحديقة، مستندًا على عكازه، بينما كان ياسر يركض أمامه ويضحك.
قال له بهدوء:
— «تعرف… أنت لم تشفِ قدميّ فقط.»
نظر الطفل إليه باستغراب.
— «طيب إيه كمان؟»
— «أعدتَ إليّ نفسي.»
ابتسم ياسر، وقال ببساطة:
— «أنا بس دعوت.»
وفي تلك اللحظة، أدرك سليم الحقيقة التي لم يشترها بماله يومًا:
أن بعض الشفاء لا يأتي من
بل من قلبٍ صغير،
آمن أن الأمل يستحق أن يُقال بصوتٍ عالٍ.
النهاية