تم تسليمها إليه كعقاب… لا كإنسانة
زوجة أبيها لم تر فيها يوما سوى عبء ثقيل وجود زائد عن الحاجة. لم تسلم إليه كإنسانة.
سلمت كشيء زائد كخطأ يجب تصحيحه.
منذ أن فتحت عينيها على الدنيا لم تعرف من بيت أبيها سوى البرودة. زوجة أبيها لم تنادها باسمها يوما كانت تشير إليها وكأنها ظل غير مرغوب فيه حمل ثقيل لم تختره لكنها علق بها.
كبرت الفتاة على نظرات تزنها وعلى صمت قاس يسبق دائما العتاب وعلى يقين خفي أن وجودها مؤقت وأن لحظة التخلص منها ستأتي.
وجاءت.
في القبيلة حين يذكر اسمه تنخفض الأصوات تلقائيا.
محارب الأباتشي الذي لم يهزم الذي قيل إن قلبه تحجر منذ زمن وإن من يدخل دائرته لا يخرج كما كان إن خرج أصلا.
قالوا إن السيف يعرف يديه أكثر من أي إنسان.
وإنه لا يقتل بدافع الغضب بل ببرود يرعب.
وحين اقترحت زوجة أبيها اسمه لم يعترض أحد.
كأنهم جميعا كانوا ينتظرون هذه الفكرة دون أن يجرؤوا على قولها.
في تلك الليلة دفعت الفتاة إلى طريق
كانت الأرض باردة تحت قدميها والهواء أثقل من أن يتنفس.
لم تبك.
الخوف تجاوز البكاء منذ زمن.
وحين وقفت أمامه شعرت لأول مرة أن النهاية قد اتخذت شكل رجل.
كان أطول مما توقعت أهدأ مما خافت وعيناه لم تكونا كما وصفوه.
لم يكن فيهما جنون القتل بل شيء أعمق أقدم كأنهما شاهدتا الموت كثيرا حتى فقد القدرة على الإدهاش.
انتظرت أمره.
انتظرت الصرخة.
السيف.
لكنه لم يتحرك.
نظر إليها طويلا صامتا وكأنها قصة يعيد قراءتها بين السطور.
رأى في انحناءة كتفيها استسلاما مرهقا وفي يديها المرتجفتين حياة دافعت عن نفسها وحدها طويلا.
لم ير مذنبة.
رأى نسخة قديمة من نفسه.
هو الآخر كان يوما طفلا ألقي به إلى القسوة وتعلم أن يعيش بلا حماية.
قال أخيرا بصوت منخفض حاسم
لن تموتي هنا.
لم تفهم.
ولا صدقت.
لكن الأوامر صدرت.
بدل أن تحبس وضعت تحت حمايته.
بدل أن تهان صارت مسؤوليته.
منذ تلك اللحظة تغير كل شيء.
لم يكن لطيفا.
لم يبتسم.
لكنه كان حاضرا دائما كجدار صامت يقف بينها وبين العالم.
وحين كانت نظرات القبيلة تجرحها كانت تشعر بثقله خلفها كأنه يقول لهم دون كلام إياكم.
الأيام مرت ومعها بدأ الخوف يتآكل ببطء.
تعلمت صوته.
خطواته.
صمته الطويل الذي لا يخيف بل يطمئن.
ومع الوقت بدأت ترى ما لا يراه الآخرون.
محارب يحمل فوق كتفيه أكثر مما ينبغي لرجل واحد.
قلب أغلق بابه لا لأنه قاس بل لأنه تكسر كثيرا.
وهو بدأ يلاحظ.
لاحظ كيف تراقب النار كأنها تبحث فيها عن جواب.
كيف تنكمش حين يرفع الصوت حتى لو لم يكن موجها لها.
كيف تشكره بعينيها دون أن تنطق.
شيء ما كان يتشكل.
شيء لم يسم.
لكن القبيلة شعرت به.
الهمسات بدأت.
والشك زحف ببطء.
كيف للمحارب الذي لا ينحني أن يكسر قوانينه من أجل فتاة
وكيف لعقاب أن يتحول إلى حماية
والأخطر
أن الفتاة كانت تحمل سرا.
سرا لا يخصها وحدها.
دما يجري في عروقها لا يجب أن يكون
كانت تعرف.
وتخاف.
وتدرك أن الوقت ينفد.
في تلك الليلة لم يكن الصمت عاديا كان كثيفا كالدخان يضغط على صدرها ويمنعها من التنفس. جلست قرب النار تحدق في اللهب كأنها ترى فيه طفولتها كلها وجوها اختفت وأصواتا أجبرت على الصمت وسرا كبر معها حتى صار أثقل من قدرتها على الاحتمال.
كانت تعرف أن لحظة الاعتراف ستأتي لكنها لم تتخيل أنها ستخاف فقدانه أكثر من خوفها من الموت.
لاحظ تغيرها منذ ساعات.
المحارب الذي اعتاد قراءة النوايا من وقع الأقدام رأى في عينيها اضطرابا لم يره من قبل. لم يكن خوفا من القبيلة بل خوفا من الحقيقة نفسها.
اقترب منها جلس قبالتها وقال بصوت منخفض لكنه حاسم
في صدرك شيء وقولي الآن قبل أن يقوله غيرك.
ارتجفت أصابعها.
لم تهرب هذه المرة.
بدأت تحكي.
حكت عن أم لم يسمح لها أحد بالبقاء عن دم اختلط خطأ عن نسب لو كشف منذ ولادتها لكانت قتلت بلا تردد. قالت إن وجودها بين الأباتشي
قالت إن